لقد قضيت فترة ليست قصيرة في سؤال عن الحملات التسويقية، دورها، وتأثيرها على الحياة، نظراً لدراستي وعملي في المجال ولا أكذب عندما أشكك في الأهداف التي قد تبنى عليها حملة ما فتبيع رغبات وهمية بهدف الربح وجذب قاعدة أكبر من المستهلكين، لكن ماذا لو كانت الحملة التي نقوم بصياغة أهدافها ورسائلها الاتصالية تتمحور حول كلمة من حرفين تظهر بأكثر الطرق الحالمة لكنها تخلص شعب كامل من مأساة دكتاتور لمدة  خمسة عشر عاماً هل ستتغير الصورة النمطية التي تدور حول الإعلانات باستمرار؟

خمسة عشر عاما من الحكم الدكتاتوري مقابل خمسة عشر حزبا متفرقين، هل بإمكان حملة تسويقية تبث على التلفاز لمدة خمس عشرة دقيقة أن تقلب سير الحكاية؟ لعلنا نتحدث هنا عن فضيلة الحملات الإعلانية ولو لمرة إذ يقدم أنطونيو سكارميتا عبر روايته أيام قوس قزح سقوط الدكتاتور بيونشيه بعد بث حملة إعلانية معارضة لحكمه و “حالمة” أكثر من اللازم.

قدمت رواية أيام قوس قزح سرداً شخصياً وسياسياً للحالة التي كانت تعيشها تشيلي تحت حكم الطاغية بيونشيه بعد انقلابه العسكري على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي وسنوات الظلم والقتل والعصابات التي عاشتها الدولة والشعب حينها، إنها قصة الطاغية الذي يصنع عبر حكمه طواغيت أصغر منه وهكذا تجر الحكاية سيرة من الألم و اليأس الذي لا يعرف معنى لأحلام و الطموحات

من خلال نيكو سانتوس كان يمكن أن نقرأ الحالة الشخصية التي يعشيها طالب مراهق لا يملك في الدنيا غير والده الذي يختطف تحت ظروف غامضة لا يعرف عنها  أحد فيلجأ لتنفيذ خطط مسبقة قد اتفق معه عليها، لكن هل تنجح تلك الخطط التي يرسمها الطيبون أمثال سانتوس ووالده  في ذلك العالم؟ على الجهة المقابلة نجد أدريان بينتي وأفراد عائلته الذين يعانون أثار الفقر والإنهزام  بعد أن أمر الرئيس بتوقف أدريان عن مزاولة عمله في مجال الإعلانات نظرا لمهارته وقوة تأثيره على الشعب.

ما قدمته حملة المعارضة في أيام قوس قزح بتعدد شرائح الجمهور المستهدف من الأحزاب السياسية التي تقيم في تشيلي آنذاك أضاف تحدٍ حقيقي وملموس للرواية لأن عملية اقتناص الفرص المناسبة للتأثير ونشر الوعي من خلال الحملات التسويقية  قد تنجح أحيانا لكنها تفشل أيضا أحيانا كثيرة، ويسهل علينا في عالم اليوم الاستدلال عليها وقياسها نظراً لهيمنة الرقمنة ومنصات التواصل الاجتماعي، أما في زمن كان الدكتاتور يحكم فيه مساحة البث الوحيدة “التلفاز” فأدوات القياس تكاد تكون مستحيلة والفشل قد يكلف حياة كل من عمل على هذه الحملة من فكرتها حتى تنفيذها. 

في اقتباس من هذه الحالة يقول سكارميتا “كان ما لا يظهر على الشاشة يبدو أنه غير حقيقي، الناس يظنون أن كائنات المسلسلات المتلفزة التخيلية والمبتذلة هي أكثر واقعية منهم هم أنفسهم، فهم ليس لهم سوى الصمت، لا إذن لهم بالحياة إلا ليكونوا شهودًا على حيوات غير حقيقية.”

إن أيام قوس قزح رواية تقدم لنا التوتر والاحتمالات الممكنة التي تنطوي خلف كلمة بسيطة ومؤثرة مثل “لا” وعلى الرغم من أننا نسمعها من شعب يائس وهش إلا أن أثر هذه الكلمة يحمل صورة للالتزام “بالأمل” تجاه المستقبل والحلم بوطن يعيش فيه الجميع بأمن وسعادة.

أكثر مالفتني في رواية أيام قوس قزح أن سكاريمتا يتغنى بدور المبدعين و الحالمين في الحياة، فبشكل غير مباشر نجد أن أكثر الحالمين هم من حولوا طريقة سرد التاريخ وبرعوا في استخدام ملكاتهم الإبداعية أو العلمية بالتأثير على الشعوب أو الطبقات العليا في الحكم لمصير ندعوه أكثر أملاً، إنها رواية تبث شيئاً من الفرح وتُحرف مقولة أدونيس عن “الحلم” إذ يبدو أنه البريء الوحيد الذي لا يقدر أن يحيا إلا “عائدا”. 

إن سؤال الحملات محاط دائما بشبهة أخلاقية وبإمكاننا الإستدلال عليه بشكل سريع عندما نعيد النظر في دوافع قصائد المتنبي أو نقرب الفترة الزمنية وننظر لإعلانات الشركات الضخمة التي تقتضي أن تصنع حاجة المستخدم لتبيعه منتج ما إلا أن هناك الكثير من الحملات التي ساهمت في قلب الصورة النمطية على مستوى دول أو أفراد .

و تحضرني هنا حملات” تحدث العربية ” التي تسعى لتفعيل اللغة العربية في حياتنا اليومية ففي اللغة يتحقق ثبات الهوية واستمرار الثقافة ، فالمبدعين عامة لايسائلون جدوى تحقق الشيء وقابلية قياسه على المجتمعات بل يعولون أكثر على ماقد يؤثر على البيئة وينعكس على الدوافع الكامنة للتغيير إيجابا ولعل هذا ما قد نسمو إليه كل مرة نقرر فيها إقامة حملة إعلانية جديدة!