
نمر أحيانًا بلحظات تكون فيها الرؤية حادة، واضحة، كل شيء مكشوف ومع ذلك، نشعرأننا لا نفهم. كأن كثافة الواقع تُغرقنا في عمى داخلي تختل معه الموازين!
كان لدي شعور غريب وأنا أتنقل بين فصول رواية العمى لسارامغو ، كأني أقرأ عن حالة داخلية لا عن مدينة معطوبة، عن فقدان لا يستطيع أحد وصفه وعن بشر يشبهوننا تتعطل قدراتههم على الفهم، و التحمّل، و الدفاع عن أنفسهم.
العمى في الرواية لا يكون الظلام، بل الضوء. وهذه أول مفارقة استوقفتني الناس لا يدخلون في سواد، بل يُغمرون ببياض مطلق يشبه الحليب الذي لا ضرر منه ، يشبه البصيرة التي هي كل الضرر في عالم سارامغو . كأن الرؤية تحوّلت إلى شيء زائد عن الحاجة، وكأن وضوح كل شيء دفعة واحدة، يعمينا بدل أن ينوّرنا. بدت لي فكرة الرؤية المطلقة مخيفة لا لأنها لا تحجب الأشياء بل تذيب حدودها، وتجعل الضياع حالة عامة لا يمكن تسميتها تقريبا مثلما حدث مع صديقنا محمود السمنودي في رواية مثل إيكاروس.
في هذه المدينة المريضة، لا أحد يحمل اسمًا. الطبيب، زوجته، الفتاة ذات النظارة السوداء مجرد أدوار عابرة، كأن المعنى يُنتزع من اللغة قبل أن يُنتزع من البصر. وهذا ما يجعل الرواية أكثر صدقًا بالنسبة لي، لأنها لا تحاول أن تمنحك شخصيات تتعلق بها، بل تجرّدك من أوهام التعلّق نفسها. كل شيء متاحًا للرؤية ثم يختفي فجأة ودون مقدمات ، وتُترك فقط أنت وزملائك العميان في مشفى للمجانين مجرد جسد بلا امتيازات ولا سيطرة ولا قدرة على الوقوف ومواجهة العالم أو الذات.
في منتصف الرواية، يظهر النزاع جلياً في تقاسم حصص الطعام ، لم يكن الموضوع متعلقا بفرض السيطرة أو الابتزاز العاطفي ، بل عن اختبارات حقيقية للعلاقات البشرية.
من ينهار أولًا؟
من يساوم؟
من يتخلّى؟
ومن يحتمل؟
ولا أقصد “يحتمل” كشجاعة، بل كحالة مؤقتة من الانتظار اللانهائي للرحمة الانسانية.
كل شيء في الرواية يحدث على مراحل، بهدوء، كأن الانهيار الأخلاقي لا يأتي بصوت عالٍ، بل بسلسلة من التنازلات الصغيرة التي نقبلها لأننا جائعون أو خائفون أو لا نعرف ماذا نفعل. ورغم كل هذا، كانت أكثر شخصية أربكتني هي زوجة الطبيب. الوحيدة التي ترى. كأنها لم تُصب بالعمى لأنها مطالَبة بالشهادة. عاشت قبح لا يتحمّله أحد ، قبح أن ترى وأن تتوق لفقدان بصرك ولا تقدر.
وعلى الرغم من كل القبح الموجود في الرواية ، كان هناك مساحة للحب، بصيغه بدائية. لا نظرات، لا أوصاف، لا رومانسية متخيلة ومواعيد مكلفة. حب من نوع آخر: أن تجلس قرب أحدهم، أن تمد يدك وتعرف أنه هنا، أن تألف معه المأساة ، أن تتذكّر صوته، وتعرفه، حتى لو لم تره قط في حياتك.
في عالم العميان، لا تكون لغة الحب كما نعرفها.
فالشكل لم يعد مفتاحًا للإعجاب؛ قد يكون الحضور، أو الصمت، أو اللمس، أو حتى الرغبة في الحماية. وهذا جعلني أتساءل على طريقة أحمد بخيت ” نرى لنحب أم أنّا نحب حبيبنا فنراه ؟ “
دفعني سارامغو لأفكر كثيرًا في “المرض”. ليس كتشخيص، بل كاستعارة. لكنها استعارة مختلفة عن تلك التي حذرت منها سونتاج. إذ كانت تخاف من تحميل المرض أعباء معنوية لا تخصّه مثل السرطان والسل وغيرها . وساراماغو لم يقع في هذا. هو لم يجعل العمى ذنبًا، ولا بطولة. بل أداة لإظهار هشاشة كل ما نملكه. المرض هنا لا يضع المريض في قفص، بل يحرّر الآخرين من أقنعتهم، ثم يكشف ما لا يريد أحد رؤيته.
الجميل والمؤلم في الوقت نفسه أن النهاية لا تأتي كخلاص. يعود البصر، نعم. لكن بعد ماذا؟ ما الذي تبقّى منّا حين تُطفأ الأرواح ثم تعود ؟ هل نعرف من كنا؟ هل نستطيع العودة حقاً ؟ أم نتظاهر فقط بأننا بخير؟


