يعتبر البعض شقة الحرية من الأعمال الفنية التي تصنف كرواية متعددة الأفكار والتوجهات وتميل مجموعة إلى جعلها ضمن الروايات السياسية كونها لخصت سنوات من الحكم الناصري والوحدة العربية و رحلة الخليجيين الى أم الدنيا لاستقاء العلم والمعرفة. أما أنا فأجدها حكاية جيدة لأربعة شباب من البحرين يتشاركون ذاكرة منطقة واحدة و يختلف كل منهم في تجربة حياته ففؤاد ذلك الذي شغله الأدب و الفن وبالأخص تقلبات الإنسان العادي في نطاق المتغيرات التي يمر بها ويعقوب الذي شغلته السياسة وكريم الذي شغلته الأقليات و قاسم الذي شغله المال.. ألا يبدو هذا مربع مثالي يشكل الانسان المعاصر؟

من أول الرواية تلوح لك المصطلحات التي إن كنت ملم بها فستشعر بأن مايدور هنا مجرد مدخل إلى بعض المذاهب السياسية. الصراع بين البعث والقومية ، الوحدة والشيوعية ، الرأسمالية و الاشتراكية و تنوع المساحات الفكرية ادى الى تشكيل نسيج ملون من وسط الرواية فأنت لاتغرق في فكر واحد لكنك تعيش سياقات فكرية متنوعة وعامة وهذا ما أعطى الرواية هالتها السياسية.

أحب ما حاول القصيبي فعله في تأكيد موقف الإسلام رغم كل المتغيرات التي أحاطت بالشخصيات فلم يقرر كريم ان يتخلص من دينه عقب أن دخل علاقات غرامية مع الفتاة السنية بل حاول مع ذلك أن يقارب الفجوات وأن يفهم ما يمكن أن يجمع الحب والدين وكذلك يعقوب الذي قال في تعبير صريح للرفيق سين ” لقد ولدت مسلما، ورضعت الإسلام مع الحليب، ولايمكن أن أتخلص من هذا الجزء من نفسي. ” وقاسم الذي على الرغم من إيمانه التام بالمال ظهرت على ملامح شخصيته نوع من التربية الدينية قاده بالنهاية إلى الزواج والاستقرار حاله حال أصحابه.

كنت اذ اقرأ هذا العمل أعجب بقدرة غازي على الانتقال السلس بين مونولوج كريم الى تناص فؤاد مع شخصياته المكتوبة ، حتى السردية المتقنة التي دفعت الأربع شخصيات حتى الثانوي منها ان يعيش تأثيره دون ان يفقد وجوده أو ان يختلط بشخصية أخرى.

أجد في الأعمال التي تحمل ثيمة اللاستقرار متعة خاصة لأنها تقول في إبعاد شخصياتها جميعا أن – لا شيء ثابت – والكل متغير لما يفكر به ويتجه له ومن الممكن ملاحظة ذلك بشكل دقيق في شخصية يعقوب الذي لبس كل التوجهات السياسية، دخل السجون ، وقاب قوسين او ادنى من ان يخرج من رحلة الخمس سنوات بلا شيء حتى شهادة علم الاجتماع التي جاء بالمقام الأول لها.

ان تأثير شقة الحرية ليس مناطا بكونها مكانا احتفى به الشباب بتوجهاتهم السياسية أو علاقاتهم الغرامية او حتى فشلهم الدراسي بل هو مايتعدى ذلك من مفهوم ممارسة أي شاب للحرية، اتصور وانا اعيش سن الشباب في عالم شعاراتها البحث عن تجربة خاصة أن هذا ماكان يبحث عنه كل من كريم ويعقوب وفؤاد و قاسم ، لان وحدها التجارب الخاصة وما تحمل داخلها من شعور الفشل والاختبار “ان تكون انت ومبادئك على المحك” هذا هو الاختبار الحقيقي للحرية الذي يسعى له الشباب لكن لعل ما قاله غازي القصيبي بوجود اربعة شباب يمارسون حريتهم ولا يربط بينهما إلا خيط الصداقة هو ان لا تخسر رابطتك بمن يحبك وانت تبحث عن تجربتك الخاصة و معناك و هذا ما خضع له جميع الشباب خلال الجلسات التي تعقد بعد ان ينسى احدهم نفسه خلال تجربة فتكون هذه الجلسات مثل المحاكمة التي تبقيهم أثر انتباها من أن يفقدوا انفسهم واحلامهم و اهدافهم تجاه شيء لا يخدمهم بشكل حقيقي بل يغذي غرائزهم ويشبع ارواحهم الجامحة فقط.