
“لا أحد يمكنه التنبؤ أنا ارتقيت الجبل فرأيت أبعد” هذا مايجيبه محمود السمنودي على أي أحد يسأله بدهشة بالغة “كيف عرفت كل ذلك ؟ “
محمود الذي يسمعك وهو مغلق أذنيه ويراك وهو مغمض عينيه الرجل الذي بحث عن الحقيقة حتى وجدها فلم يحتملها فاحترق وذابت جناحاه مثل ايكاروس في الأساطير الإغريقية.
محمود الرجل الذي كان يموت في اليوم نفسه يأساً ورعباً وضياعاً ، كانت الحقيقة مشروع عمره فما كان ثمن ذلك عليه ؟ على المقربين منه ؟ على العالم ؟
لقد كان طفلاً هادئاً طفلاً عادياً إذ أنه لم يشتكي يوماً لوالديه بما يحدث داخل أسوار المدرسة و شاباً مطيعاً إذ سلم بأمر والدته وتزوج سلوى عمران ، كان يكبر و يشمئز أكثر، يكون صادقاً أكثر، يحاول الرحيل بالشكل الملائم لكنه يبقى عالقاً في سياق حياته حيث يعلم بأن كل الأشياء تتداعى فعساه أن يبقى حياً ليخبر الناس بالهول الذي ينتظرهم ولن يملك غير الخوف وأبيات أمل دنقل و صلاح عبدالصبور إذ يقول
“رعبٌ أكبرُ من هذا سوف يجيء
لن ينجيَكم أن تعتصموا منهُ بأعالي جبل الصمت.. أو ببطون الغابات
لن ينجيَكم أن تختبئوا في حجراتكم
أو تحت وسائدِكم.. أو فى بالوعات الحمّامات”
دهشت بعبقرية الكاتب في معالجة التفاصيل وتقديم هذا العمل إذ أن السرد كان متسلسلاً رغم غزارة المعلومات التي ذكرت شعرت بمزيج من الذعر و الحماس في بداية الرواية تقززت كثيراً من الأفكار التي راودت الدكتور النفسي الخاص بمحمود بشأن زوجته سلوى عمران وكيف انتهى بهم الحال في علاقة عابرة خاسرة معاً حذر منها محمود حين كان يغني
“من غير نفاق من دون خجل
حبك ملل.. ملل..”
ناقشت الرواية موضوعات متنوعة تشغل جيل الشباب بلغة واضحة وموجزة خلال السطور تجد الرئيس الديكتاتور كيف قضى، ودكتور الجامعة الذي خنقته النظرية الداروينية والدكتور النفسي ذاته الذي كان يعاني من عقدة الارتباط ومصطفى الصيدلاني الذي غير تيار الاسلامي شكل حياته العادية بعد أن كان طالباً مهتماً بالفنون فصار رجلاً يلاحقه البصاصون في كل مكان
كانت الرواية عبارة عن أسئلة كثيرة بلا أجوبة ، وعلى الرغم من أني شعرت بتداعي الأحداث في الفصل الذي سافر به محمود السمنودي إلى كاليفورنيا إذ أن الكاتب نفسه تورط بهذه الشخصية التي تعرف كل شيء فكل الأبعاد واضحة و كل الصور تشير نحو نهاية واحدة فلا عجب أن يكون بداية الرواية مصرع محمود السمنودي مجرداً من إنسانيته لكن ما عسى النهاية أن تكون!
بذلك كانت مثل ايكاروس الرواية التي حملتني عبء الأسئلة وتركتني أدور حول أناي في دهشة معرفة الماضي والمستقبل معاً.


