
هذه الرواية فخ وتبطن أكثر مما تظهره، وجدتها في زيارة خاطفة للمكتبة تحدق بي و أكثر ما شدني بعد العنوان هو اقتباس كونديرا أول الصفحة من رواية الخلود “يفقد العالم شفافيته شيئاً فشيئاً، يصبح كتيماً وعصياً على الفهم، يهوى في المجهول، بينما يهرب الإنسان الذي خانه العالم، إلى داخل نفسه، إلى حنينه، إلى أحلامه، إلى ثورته، فلا يعود بإمكانه سماع الأصوات التي تسائله من الخارج بعد أن أصَمَّهُ الصوتُ الأليم الذي يرتفع في داخله” قلت في نفسي ” هذا الكاتب عرف من أين تؤكل الكتف، كتفي على الأقل”
” اذ ظل بيني وبين الجنون خطوة واحدة للأمام لو اتخذتها لما عدت للوراء ابدا ” حازم يستذكر ايام جامعته اللحظة التي انقذته فيها الكتابة ولعله اذ يسرد سيرته هنا يحاول أن ينقذ حاله مما يسميه الأطباء النفسيون بالذهان ويسميه هو بفقدان ذاكرة للجميع، لا يمر حازم بحالة إنكار الا في أول الرواية ثم يتعايش مع فكرة أن يختفي كل من يحبهم واحدا تلو الآخر كأن شيء لم يكن يقول بنفسه ” طوال عمري لم أفلح في تبني هذا الإنكار الذي يسبق لحظة انهيار عارمة دأبي في المواقف المشابهة الصمت التام حتى تتسرب بعدها تساؤلاتي المشوشة” يغرق في فجيعته وحده ولعل هذا الغرق هو ما يعمق جرحه اذ ان الحزن هنا فردي متوغل في الخاطر ولا يختفي لأن لا أحد يساند حازم فيه.
وعليه أن يعترف على كل حال كيف يكتب واقعة لم تتجسد إلا في ذهنه وحده ما الذي عليه ان يأتي به حتى تكون هذه الذكرى الواضحة جدا حقيقة يصدقها الأخرين، هل تخون الذاكرة ياحازم؟ لا انها تتلاعب فقط هذا ما كنت تظنه وتعيشه حتى لا تفقد توازنك في هذه الحياة” كائنات رخوة با هدف تعيش الحياة مثل من يرغب الرحيل ولا يرغب ينشد النسيان ولا يريد أن يقربه” اذ ان لا مخرج وكل الطرق التي قد نسلكها حتى نتخلص من هذا العبث هي عبث آخر!
شعرت في لحظات كثيرة أن هذه الرواية كانت مشروع مسرحية من كل قطع يمر بها كأن ما أقرأ ليس سردا بل مشهدا مونولوجي لحازم يفلسف فيه الحياة والوحدة والجنون، حياة تضيع بالترهات مثلما يقول.قصة لهزيمة رجل تخلى له البلاد من غلظته.
إذا يا أستاذ أحمد هل هذه رواية عن رجل عانى الذهان أم تضامن ضد النسيان ؟ لكننا ننسى لنعيش، لعلك لم تغني مع ميادة نعمة النسيان، انها تطالب بها بالقدر الذي افعله ونفعله جميعا ومالذي قد يعشش بالذاكرة الا الالم، لا اظن ان مادفع حازم على حافة الجنون هي ذكريات طفولته أو فقدان أعز الناس عليه في قدر عبثي من الحياة لكنها رغبته في أن يعيش هذا الوهم الذي يضخ الدم في الباقي من مشاعره، هل أقسو عليه الآن ؟ أظن ذلك.
أما الواجب الأخلاقي الذي فرضه حازم على نفسه تجاه العالم بدل أن ينتحر كان أرق خاتمة لهذه الرواية، وليت اننا كلنا يا حازم نعيش في ذاكرتك تطهرنا من الجشع والطمع والحقد والكراهية إن كانت ذاكرتك سلّمت بأن تمحي كل ما تمسه فلتفعل ياحازم ولا تحتقر اللغة أو تمحو النهر فبدونهم لن اسمع او اوبخك أو حتى اصدقك.
كان عندي من الحدس ما يكفي لأقول بأن هذه الرواية مشروع أول للكاتب، وغفرت لكل الأخطاء والهفوات في النص اذ ان اللغة كانت على مستوى شعري رقيق و مريح جدا، كنت اشعر بتردد بعض الأفكار وخوف بعضها من الظهور بشكل مباشر او غير مباشر ولعل الكاتب لم يرغب بابتذال حازم فعجل بنهايته رغم انني شعرت بأن عنده الكثير ليقوله ولكن مع ذلك كانت رواية خفيفة وجميلة و اتطلع لأعمال جديدة.


