
هل حدث أن قرأت عملاً ما شدتك به معلومة هامشية و رحت تبحث عنها باستفاضة حتى حفظت تواريخ معينة و أسماء معينة وأماكن معينة بسبب تلك المعلومة ؟ أنا أحب الكتب التي تفتح لي الباب لمعرفة أخرى أيا يكن شكلها و أظن أن إيمان مرسال تحب ذلك أيضاً.
هذا الفضول الذي ينتاب أي قارئ عندما يقرأ عملاً يتقاطع مع نقاط مهمة في حياته، ليس بالضرورة أن يكون العمل من أحسن الأعمال ومن الممكن لو مرّ عليه في مرحلة مختلفة لن يحدث ذات التأثير مثل ماقالت إيمان مرسال ” أحيانًا يهزّ كيانك عمل أدبي ما ولا يعني ذلك أنه عمل غير مسبوق في تاريخ الأدب، أو أنه أفضل ما قرأت في حياتك، إنها الصُدف العمياء التي تبعث لك رسالة تساعدك على فهم ما تمر به، في اللحظة التي تحتاجها تمامًا، دون حتى أن تعرف أنك تحتاجها، الامتنان ليس للأعمال العظيمة فقط، ولكن للأعمال التي كان دورها عظيمًا في فهمنا لأنفسنا في لحظة محددة، حتى إننا عندما نلتفت لحياتنا يمكننا تعريفها بهذه الأعمال”
مثلها الصدف التي دفعتني للالتقاء شخصياً بإيمان مرسال في الملتقى الإثرائي لمسابقة أقرأ 2022 اللقاء الذي شددت فيه علي ” كتابتك جيدة لكنك خائفة ! حاولي الغوص أعمق في نصوصك بدون خوف ” ثم ختمت هذا اللقاء بإهداء يقول ” أتمنى أن أقرأ لك نصا آخر عن اللغة ” شكراً إيمان لازلت أحاول ذلك.
خلال بحث إيمان في إرشيف عنايات الشخصي ذكرتني بالفضول الذي انتاب دون جوزيه في رواية كل الأسماء عندما قرر أن يبحث عن بطاقة الفتاة المجهولة..المفارقة الوحيدة هنا أن الارشيف هناك مختلف عن الارشيف هنا ففي خيال سارامغو توصل إلى أدق التفاصيل عن شخصيته المجهولة و في واقع إيمان كانت تحاول أن تنبّش عن عنايات بلا أدنى فائدة فكأن عنايات كانت تتبنى الحقيقة التي ذكرها كالفينو في روايته” لو أن مسافراً في ليلة شتاء” أن عملية البحث عن أي كاتب ماهي إلا ” ضرب من العبث” فكلما حاولت الوصول ستضيع في طبقات الحكاية و الخيال والاحتمالات.
تقول مرسال أن كل مافعلته هو “تتبع الأثر” و لا يعني ذاك ملء كل الفجوات، أو البحث عن الحقيقة من أجل توثيقها. بل رحلة شخص تجاه شخص لا يستطيع الكلام عن نفسه، حوارٌ متخيل معه، ولا يمكن إلا أن يكون من طرف واحد” و استدعي بذلك كل اللحظات التي قرأت فيها كتاباً فوجدت فيها إشارة للوحة أو أغنية فهممت بالبحث عنها، ونسيت هدفي الأول من القراءة لأني وجدت شيء أعمق يشرحني.. وأظننا نقرأ لهذا السبب، لا لنفهم المكتوب فحسب ، بل لنفهم أنفسنا عبره. نقرأ لأننا نبحث عن داخلنا في حكاية غريبة، أو لأن جملة واحدة تشبهنا أكثر مما يشبهنا أي شيء آخر، نقرأ لأننا نحتاج أحيانًا لمن يهمس لنا ولو من خلال الورق ، بأننا لسنا وحدنا! و هذا ما فعلته مرسال و أفعله أنا و لأكون دقيقة أكثر هذا مانفعله جميعنا نحن الفضوليون، نقرأ بحثاً عن إجابة لأسئلتنا.. نتتبع أثر الخيوط التي نقلتها لنا الكتب علنّا نجد الإجابة.
إن ما تقدمه مرسال ليس سردا يفسر أسباب انتحار عنايات اذ أن عنايات نفسها لم تضع الأسباب الكافية لإنتحارها و شاءت أن تكون على هامش الحياة حتى أن تأويل أرشيف عنايات الشخصي في ذاكرة المقربين منها جاء وفقًا لحاجة من أحبوها للتعايش مع فقدها و ماهذا إلا توثيق للظروف والحالة التي عاشتها كاتبة في الخمسينات، مرت بزواج فاشل ، وحب فاشل ، وفقدت أغلى ماتملك -ابنها- فتخلصت من حياتها بالإنتحار .
أخيرًا ، إن لحظة القراءة ذاتها أحيانا قد تكون أهم من العمل نفسه، ليست كل القراءات مدهشة، لكن بعضها يُصادف هشاشتنا في لحظة فارقة، فنظن أننا نحن من اخترنا العمل، بينما هو من اختارنا. في تلك اللحظات، لا يكون التوقيت مجرد صدفة، بل كأن هناك شيئًا فينا كان مستعدًا لأن يُفهم، ينتظر جملة، مشهداً، أو حتى هامشًا يفسّر كل ما عجزنا عن قوله، فالقراءة ليست بحثًا عن الحقيقة المطلقة، بل عن جزء يؤكد لنا ولو على الأقل، حقيقة وجودنا في الحياة!


