
لم أكن يوماً من هواة الجري، لكني أدركت أنني مثل هاروكي موراكامي، أركض باستمرار في عقلي. أجر الفكرة تلو الأخرى، حتى يصبح تداخل الأفكار عبئاً على ترتيب كلماتي، فأتعثر، أخلط بين كلمة وأخرى. أتساءل: هل أحاول أن أعيش حيواتي كلها دفعة واحدة؟
يكتب موراكامي عن أثر الجري في حياته ودوره كوسيلة لترويض النفس، حيث يختبر حدود قدراته الجسدية مع كل ماراثون، تماماً كما يختبر قدراته الإبداعية مع كل عمل جديد. يرى في الجري تحدياً يشبه الكتابة، يتجاوز فيه نفسه في كل مرة، مثل مادة مطاطة تتراوح بين القوة والمرونة، ويكتشف مع كل تجربة مدى قدرته على التحمل والتجدد.
خلال قرائتي هذا العمل تبينت أن الترويض الذي يتحدث عنه لا يقتصر على الفعل الجسدي؛ بل ما يمكن تحقيقه أيضاً من خلال الاستغراق في الأنشطة العادية. من خلال تجربة الجري يمكنك الفهم بأن حتى الركض في شكله المنهك والمحبط قد يكون استعارة حقيقية للبطء أو التأني لأكون دقيقة أكثر، وأن الجهد المركز تجاه شيء ما يمكن أن يقود إلى نتائج غير متوقعة، قد تجد في إعداد وجبة ما إلهاماً لكتابة مقال جديد، أو تقودك محادثة عابرة إلى وظيفة لم تخطر ببالك، أو تقود السيارة علی طريق سريع فتجد حلا لرئيسك في العمل. فالسحر يكمن في التفاصيل الصغيرة، في لحظات التركيز المتواصلة التي لا تتطلب جسداً منطلقاً، بل عقلاً شغوفاً.
وعلى سيرة البطء الذي لا يبدو جذاباً في عالمنا اليوم، فمنذ انتقلت إلى الرياض وتغير نمط يومي الهادئ وأنا أتحسس بشأن مفردات الجري وكل ما يمكن أن تتصل به لأني ببساطة أًصبحت أنتظر في الشوارع ، وأُعد توقيتاً مسبقاً لكل شيء وخطة بدل الخطة في حال الطوارئ وصرت أنظر للبطء نظرة امرؤ القيس لأطلال محبوبته. ذلك البطء الذي أراه اليوم ليس مجرد حالة، بل فلسفة أسرقها بين لحظات الركض المتواصلة.
إلا أن المفارقة هي أن موراكامي وجد في استغراقه بالجري طريقاً لا للهرب من الزمن، بل للاستمتاع بتوقفه المؤقت، حيث تُمحى فكرة الوقت وتتلاشى التوقعات، ويظهر الحاضر في أنقى صوره. مثلما أستمع أنا للأغاني حتى أغرق فيها، أتركها تجتاحني حتى أصل لحظة الصفاء، حيث تنبثق المشاعر عفوية صادقة، صمتاً، بكاءً، أو إبداعاً.
ولعل في الاستغراق هذا نجد أعمق أجزاء أنفسنا عبر ألم مواجهة الذات والذي يكون بمثابة الثمن الذي ندفعه لنقترب أكثر من ذواتنا . فأنت توقف تفكيرك المستمر في المستقبل، وشعورك المحبط تجاه ما لم تنجزه، ورغبتك الملحة في الظهور والاختفاء “موضوع تناقشه مع نفسك” وإدمانك لتنبيهات هاتفك وتمنح نفسك و تركيزك الذي لا تعول عليه للفتنة الآنية ” ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري ” مثال. و بين كل فكرة وأخرى، تقفز روحك، وتعيد تشكيل نفسها. تهرب من الزمن، لتعود إليه بتوازن جديد.
قد لا نكون جميعنا عدائين مثل موراكامي، ولكننا بالتأكيد نسابق أنفسنا بطرق مختلفة. المهم هو أن ندرك أن الرحلة نفسها تحمل في طياتها الحكمة التي نبحث عنها. أن نجد التوازن بين إنهاك الجري وألم التأني، بين العمل والتأمل وبينما يمنحنا التوقف رؤية متأنية، فإن الجري يدفعنا لتحقيق أحلامنا في زمن قياسي و في هذا السعي المستمر، نكتشف أن الحياة ليست سباقاً للوصول إلى النهاية، بل فرصة للتعمق في كل خطوة، للاستمتاع بما تقدمه لنا اللحظات البسيطة والمفاجآت غير المتوقعة، وأن نستمر، رغم كل شيء في التجربة!

