
كانت هذه الرواية في قائمة القراءة حتى تشابه أحد موضاعاتها بنص مسابقة أقرأ ” ماذا لو اختفت الكلمات ” فعجلت بقرائتها ، و كنت اذ أقرأ دون جوزيه وهو بالمناسبة بطل الرواية الوحيد انتبه للتشابه بيني وبينه واتعلق به أكثر، دون جوزيه لم يكن وحيدا فحسب بل كان يملك اهتماما غريبا بجمع بطاقات المشاهير الموجودة في دائرة المحفوظات التي كان يعمل بها ودعوني اسميها “بدائرة الموت” الذي كان واضحا ويحدق بكل القراء منذ البداية لكن لم يلحظه أحد،
أثناء قرائتي لهذا العمل تذكرت مباشرة روايته ” انقطاعات الموت” فأدركت بأنه موضوع شاغل لسارامغو أكثر من الحياة، في انقطاعات الموت يقرر الموت فجأة أن يمتنع عن اخذ حياة أحدهم بل ويمنح الجميع الخلود حتى تظهر قيمته الحقيقية وفي كل الأسماء تختفي الأسماء وتتكثف الحياة الوحيدة حتى لا يكون للحياة لذة حقيقية أو متعة خالصة فكلنا ميتون.
سارامغو يقول من خلال دائرة المحفوظات العامة بأن الموت قيمته الحقيقية تساوي قيمة الحياة بل قد تختلط القيمتين حتى لاتدري ما الأهم الأحياء أم الآموات وهذا ما حدث من خلال بطاقة الفتاة التي فاجئت دون جوزيه و لخبطت كل القيم التي كان يظنها ثابته ومحققة.
صار يشعر بالحرية من بيروقراطية الموت لأنه تطلع لحياة أخرى وأظن بأن كل من كان يعمل في دائرة المحفوظات كان مقررا له أن يخدم الموت ببيروقراطية واضحة حتى جاء دون جوزيه فغير المعايير ولم يثر انتباه زملائه فحسب بل اثار اهتمام مدير المحفوظات العامة نفسه أو دعوني اسميه” مدير الموت “
” انهم لايعرفون أن الفوضى هي المتحكم الوحيد بالكون “
كل المخاطر التي كان يخوضها دون جوزيه الوحيد من تسلله الخارجي، لسرقته البطاقات وحتى مبيته في مدرسة الفتاة والمقبرة كانت تعطيه تلك اللذة التي نسميها ” حياة” حياة الأسماء الأخرى التي قد نملكها وحياتنا نحن معا فكل حياة لا تبدو مهمة حتى تتداخل في حياة شخص أخر.” فأنا أجد مشقة في العيش حتى مع نفسي بالذات”
“وبما ان الموت النهائي هو الثمرة الاخيرة لارادة النسيان فسوف يكون بإمكان ارادة التذكر أن تخلد الحياة” في هذه الكلمات القليلة اختصر مدير المحفوظات العامة خطابه الأول لموظفين المحفوظات بأن فصل الأموات عن الحياة ماهو الا مجرد عبث وبذلك عليهم أن يعيدوا الموتى لرفوف الأحياء.. ألم أقل أنه مدير الموت ؟
في الفصول الأخيرة التي يظن دون جوزيه أنه سيلتقي بالفتاة حتى لو كانت ميتة فيكشف أن مقبرة كل الأسماء هي مكان عبثي ومتاهة جديدة للأرواح لا مستقر تأوي إليه فتتحول الحقيقة لكذب والاسم مجرد شعار لا يحمل معنى داخلي والارقام هي اللعبة التي تتبدل باستمرار ويدور حوار بين دون جوزيه ورجل يكشف هواجس سارامغو عن الموت ويربط خيوط الحبكة ببعضها ليتسع ادراك اي قارئ عن هذه مقبرة كل الأسماء.
ولا يمكنني أن أن أنسى حديث السقف، حديث الرب، سماء مفتوحة في غرفة على زاوية المحفوظات العامة، و اجابات لا تعجب دون جوزيه لكنها تقول له الحقيقة التي يهرب منها باستمرار.” أراهن على انه لم يجل بذهنك قط أننا ، أنا و أنت نعيش معا، والفرق الوحيد بيننا هو أنك لا توليني اهتمامك إلا عندما تحتاج نصيحتي” يقول السقف.
من الذي لحظ تغير حالة دون جوزيه النفسية بعد أن صار لحياة أحدهم تأثيرا عليه ؟ كيف صار يستمتع بتفاصيله ويولي يومياته أهمية حد أن يكتبها، شعوره الغامر بالسعادة لأنه يقوم بجريمة ما ” البحث عن حياة”
أما حديث دون جوزيه في مناسبات مختلفة كان حديثا عالي الإدراك لو اعتبرنا أن مدير المحفوظات هو مدير الموت نفسه الذي يقدر جهود دون جوزيه في أخر الأمر لانه منح الاسماء أكثر من شكلها و،بطاقتها بل منحها حق أن تقول أنها موجودة ولها حياة مثلما لها موت.
وأخيراً، كلنا دون جوزيه عندما تتكثف الوحدة في حياتنا، كلنا نعيش الموت والحياة معاً، ولا ندري هل نكبر بتجارب الآخرين أم بتجاربنا.


