
إنك إذ تبدأ في الحديث عن الأندلس تفتح جرحاً من الخيبات الذي ينزف منذ أكثر من ألف عام .
ولست أتطرق لهذا الحديث هنا إذ أن ما آسرني مع رضوى وهي المرة الأولى التي أقرأ لها كان قدرتها التعبيرية في تصوير كل المشاهد الموجودة في غرناطة بصورة واضحة ومؤثرة.
كنت قد لمست تطير وخوف أبو جعفر في رؤيته للفتاة العارية، وانتبهت لوداعة أم جعفر وحنيتها بالعناية في أحفادها وبقية أفراد الأسرة.
كانت سليمة واضحة صريحة جريئة تحاول أن تكشف سر الموت الذي ظل يسلب كل من تحب واحداً تلو الآخر حد انخراطها في صنع الخلطات لتأجيل هذا الذي لابد منه، كان حسن واضحاً من خلال اخته سليمة.
كل شخصيات هذه الرواية التي ارتبطت مع أبو جعفر الوراق ساهمت في صنع هذه التحفة الأندلسية، لا يمكن لي أن أنسى خوف نعيم على أبو جعفر ولا عطاءه الممتد لسعد ولا سوء حظه الذي انقلب مع النساء فجأة ، حتى سعد المالقي مدني بذلك العزاء الذي وجده في سليمة بعد فقدانه لوطنه كنت أشعر بغضبه،بهدوئه، بخيبته أحيانا وربما دائما.
أما مريمة والتي قد يطول الحديث عنها الفتاة اللماحة الطيبة التي ما ظهرت إلى أن جاء قرار الترحيل فرفضت أن تترك غرناطة.
هذه التي كان زوجها مفرطاً بحذره وكانت هي بالمقابل مفرطة في تهورها،كانت مريمة صورة وصوت لكل نساء غرناطة اللاتي يغمرهن الأمل كل يوم حتى لا يقبلن التطير في أحلامهن ، صورة للانتظار، للحب، للرفض، للإحتواء، للإصرار على أن غرناطة باقية حتى لو منعوهم من التحدث بالعربية، أو النشيد في الأعراس، أو التكبير في الأعياد، كانت غرناطة حية في قلب مريمة وكان الأمل في استعادتها قائماً حتى أن يشاء الله.
رضوى في حديثها عن غرناطة تحكي يوميات الإنسان العادي الذي لم ينتبه له أحد بل كان سلسلة من استمرار الحياة في ضواحي تلك المدينة، الوراق، النجار، الاسكافي،المزارع كلهم كانوا عناصراً مهمة لبناء سيرة الناس العاديين في غرناطة وبلنسية وقرى الأندلس عامة.
تسرد أهم الأحداث التي شكلت سقوطاً لهذه الحضارة منها التهجير، منع كل مايمت للغة والثقافة العربية بشيء كاغلاق للحمامات ومصادرة الحناء وحرق الكتب واتهام كل من يداوي الناس بممارسة السحر والشعوذة، والتنصير القسري لكل العرب الذين رفضوا ترك أراضيهم.
بكيت، ضحكت، تأملت، انتظرت وتألمت مع كل شخوص هذه الرواية ولو كان السرد طويلاً في بعض الأجزاء إلا أن حياة هؤلاء الناس تحديداً تستحق كل هذا الإسهاب.
الف رحمة ورضى على رضوى.


