
“كلنا بنموت” عبارة أرددها غالباً عندما تسوء الأمور أو يصل بي القلق ذروته ولا أجد مخرجًا إلا هذه الجملة العبثية والمناسبة جداً للسطر الأول من رواية كامو”اليوم ماتت أمي أو لعلها ماتت بالأمس.. لست أدري”.
أفهم أن ثقل الحياة ومجرياتها أحياناً قد يدفعنا لأن ننزع للعدمية. أفعل ذلك باستمرار، فاجنح لتسخيف تلك الأشياء التي شكلتني وأثرت في نشأتي، وكانت حافزاً للكثير من القرارات التي قد بدت صحيحة في أوانها، وظلت كذلك أو تغيرت مع تغيير وعيي. وربما هذا التسخيف هو محاولة دفاعية للحفاظ على توازن مشاعري.
قرأت هذه الرواية مصادفة بعد وفاة نورة أختي إثر معاناتها مع مرض السرطان رحمها الله. لن أتطرق للحديث هنا عن شعوري وقتها، بل عن التوازن الذي منحني إياه الإيمان وافتقد إليه ميرسو بطل الرواية. يقول البعض أن شعوره بالخواء جاء نتيجة لاكتئابه أو لامبالاته أو ثباته الانفعالي، لكني أرى بأن كل ذلك كان تداعيات لفقدانه للإيمان. أن تفقد يعني أن تُصدق يا كامو بحتمية الآخرة. وهذا التصديق هو الذي يشكل الفارق بين التعايش مع العبث أو الاستسلام له.
و ليست الغربة في بكائك، أوعدم تواجدك، أو سهرك مع صديقتك وذهابك للسينما، بل في ضياع بوصلتك، واعتيادك الحياة بكل مجرياتها. أدري بأن هذا ما تقصده في الرواية، لكن لعلها استفزتني أكثر من اللازم. إذ أن تأمل تفاصيل اليوم العادي كفيل بأن يمنحك دهشة الاستيقاظ ليوم جديد لا الاعتياد عليه. أليس هذا ما حدث مع ميرسو في سجنه حين قال: “وعند ذلك الحد فهمت أن رجلاً لم يعش مسجوناً يوماً واحداً، يمكنه – دون عناء – أن يعيش داخل السجن مائة عام”؟ وربما كان هذا الإدراك بمثابة انعكاس لما يفقده خارج أسوار السجن، حيث تبدو الأيام للمتشائم العبثي متشابهة و بلا طائل.
أكتب هذه الأسطر وأنا متفائلة جدًا بشأن أيامي” الحمد لله”. ولعل هذا التفاؤل هو وسيلة لعيش الحياة رغم الوعي بثقلها. إنه شكل من أشكال المقاومة أمام عبثية الأشياء، ومواجهة للغربة التي تحاول أن تتسلل إلى دواخلنا.
تمثل رواية الغريب تجسيدًا حقيقيًا للفكر الوجودي الذي يشير إلى أن الإنسان حر في اختياراته في عالم عبثي. فمورسو لا يبحث عن تفسير للأحداث أو الغاية منها، بل يعيش في فوضى عبثية تفتقر إلى المعنى. لكن لحظة هل هذه حياة أصلاً؟ إن هذه الأفكار الوجودية تنزع منا إحساسنا الحقيقي تجاه الحياة وكأنها تحولنا لحالات عامة تمر عبرها الأحداث ولا تؤثر بها. أكاد أظن بأنها تخدر الألم الذي لابد منه، الألم الذي أظن بأنه جوهر حياتنا البشرية. فالألم، على ثقله، هو ما يجعلنا نعي قيمة التجارب ونشعر بإنسانيتنا.
وإذا كان كامو يقصد بأن هناك نوعاً من الثقل في الامتثال للسلوكيات المجتمعية “غير المبررة في وجهة نظره ” والتي بالمناسبة تتضمن إظهار نوع من العاطفة والتقدير وأن الحل في هذا هو الانفصال التام الذي قد يدينك مثلما حصل مع مورسو، فإني أرى بأن العلاقات الاجتماعية هي أول وأهم رافد للشعور بمعنى وقيمة هذه الحياة! فالأشخاص من حولنا يشكلون بوصلة، يربطوننا بما هو حقيقي ومتصل بذواتنا وسط دوامات الأسئلة الوجودية.
يعيش ميرسو غربة عن ذاته وغربة عن مجتمعه، متمثلة بثقله الوجودي، فيجنح لارتكاب المحظور الذي لا يشكل فارقاً عنده تماماً مثل جملة “كلنا بنموت”. ويمثل بذلك رفضًا تامًا لكل شيء متصل بكونه كائنًا بشريًا، فيتحول مع الأحداث إلى “حالة أو شيء”. يواجه عالماً غير مفهوم وفاقداً للمنطق.
أخيراً، يمكن لمجريات الحياة أن تتيح للإنسان فهماً وسياقاً يساعده على إيجاد التوازن بين فكرة الموت والحياة بشكل أعمق. بالنسبة لي، كنت أفكر بالموت بأنه ذلك الشيء الذي يمر من حولنا لكنه قد لا يعبرنا وهكذا كنت محصنة ضد الخوف منه حتى أخذ أحب الناس لي.
لاتزال وفاة نورة بمثابة لحظة فارقة في حياتي، إذ جعلتني أتأمل في معنى الوجود، أقدره أيامًا وأكرهه أيامًا. وأعرف أن ما أنقذني من فخ سؤال الغاية والوجود هو إيماني الذي تجاوز العالم المادي ووفر لي سياق روحي مطمئن ساعدني على فهم الفقد والتظاهر بالصمود مرة أخرى ، فاللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واجبر كسرنا على من فقدنا وثبت قلوبنا على دينك يا رب العالمين.


