
في الصالة الخامسة في مطار الملك خالد بمدينة الرياض حلقت ببصري في المكان أحاول أن أتنبه للتفاصيل التي نميل لإغفالها عادة عندما نكون متجهين لمدينة ما فيبدو المطار بالنسبة لنا مكانا زمنيا أكثر مما هو مادي، ساحة كبيرة لانعرف خلالها إلا الانتظار والخطوات المستعجلة والتعب على وجوه العاملين واسئلة الأطفال اللانهائية عن الطيارات وآلية عملها واحتمالية سقوطها “بعيد الشر عن الجميع طبعا” هذا هو الحال في غالب الأحيان ما فاجئني أكثر أن الحال لم يتغير وأنا أتجول في محاولة بائسة لأن التقط شعورا مختلفا وصورة حسية… لأنني ببساطة لم أشعر بشيء!
في مصطلح صاغه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه عن اللامكان قال “هي المساحات الإنسانية العابرة حيث يظل البشر مجهولين، والتي لا تحمل أهمية كافية لاعتبارها” أماكن “في تعريفها الإنساني”
عبر أوجيه عن قلقه من أن عالمنا الحديث الذي صار يضج بالأماكن التي لا تجتهد بصناعة أي ارتباط بالجو المحلي، بل أنها تساهم في انفصال أولئك الذين يمرون عبرها، من غرف الفنادق إلى مراكز التسوق حتى المطارات تلك الاماكن التي تقول لك أن لا جذور لها.
لا أحبه أشعر بأنه لا يستقبلني ولا يودعني” تقول صديقتي.
إننا نتأثر ونؤثر أكثر بالأماكن التي تتقاطع مع حاجاتنا الإنسانية بشكل أو بأخر، فالأماكن التي دخلناها لأول مرة وشعرنا بدفء الارتباط بها هي أماكن حاولت بشكل ما أن تلمس ذاكرتنا فتتحول من مجرد فضاء نعبره لنستفيد منه إلى مكان نتقاطع معه ونتأثر به. وعلى الرغم من ذلك فإن صورة المطار الذي يبدو لامكان بالنسبة لي صورة ذاتية بحتة باعتباري مسافرة أو كاتبة لكنه بالتأكيد مكان لأولئك الذين يعملون به بشكل يومي فهو يحقق هويتهم المهنية ويساهم بتكوين روابطهم الاجتماعية.
في سؤالي المتواضع عن تاريخ المطار وجدت بأنه يعتبر ثاني أكبر مطار في العالم من حيث المساحة بعد مطار الملك فهد وقد قام بتصميمه المكتب الأمريكي للهندسة المعمارية هلموت، أوباتا وكاساباوم، وافتتحه الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- في نوفبر1983. وقد تم التعجيل بتنفيذ هذا المشروع بسبب عدم قدرة المطار القديم بالتوسع وسط منطقة الرياض والنمو السريع لحركة النقل الجوي في المنطقة مما أثر على أهالي الرياض.
وعندما ننظر للمطار من الأعلى نجد أن كل من الصالات ذات قاعدة مثلثة الشكل وقد تم استلهامها من الثقافة النجدية لتحاكي البيئة وتعكسها، كان للاستلهام الطبيعي للثقافة دور بأن يتم الاستفادة منه حتى في توزيع الإضاءة الطبيعية داخل المطار، والمثير أكثر للاهتمام أن المسجد جاء في منتصف الصالات الحالية والمستقبلية مثل إشارة إلى الركيزة الأولى التي تهتم بها المملكة.
تاريخ هذا المشروع يقول بأنه أحد أفضل المشاريع التي تم العمل عليها بالمملكة في فترة السبعينيات والثمانينيات من حيث الحجم ونطاق التعقيدات الممكنة وجمالية التصميم ولعل نظرة للوراء كفيلة بأن تدفعنا لأن نقدر كل الجهود المبذولة في تنفيذه رغم الظروف آنذاك.
تخيل معي أن تعود لسنة افتتاح المطار أو أن تكون أحد العاملين على هذا المشروع الضخم فتحدث كل من عرفت عن تفاصيل لا ينتبه لها إلا من عايش الحكاية من عقود شركة البناء إلى تكلفة التصميم حتى ضبط الممارسات هل سيبدو لك مطار الملك خالد هو مجرد فضاء عبور حقا؟
بعد كل هذا البحث شعرت بأن المطار أحد الأماكن التي لا تقول لك شيء حتى تشمر عن فضولك وتبدأ بالبحث والتقصي عنها، ولعل هذا أصعب ما يقدمه لك أي مكان، ألا تستشعر الحكايات التي دارت حوله، ألا يمنحك الفرصة لأن تنظر له بعين الإعجاب والتقدير معا، أن يكون مثلما ذكرت سابقا مجرد فضاء نعبره لنستفيد منه فقط!
ولعل تلك الزوايا التي لم تعط الفرصة للتعبير عن جماليتها بشكل كامل وحقيقي غلبتها الأتمتة وهاجس السرعة فلا تكاد تأخذ فرصتك الوحيدة معها كمسافر في تأملها وقراءة تفاصيلها، بل تختار أن تنتظر بجوار بوابة الإقلاع وتتجاهلها.
وقد نتطرق هنا للحديث عن تجربة المستخدم/ المسافر إذ إن كل المطارات الرائدة حول العالم لا تعتمد على أن تكون تجربة الرحلة موحدة وسريعة فحسب، بل أنها تمنح كل مسافر نوع من التقاطع مع الثقافة المحلية التي تلبي حاجات المستخدمين وفي نفس الوقت تمنحهم الفرصة على التوقف قليلا ورصد هذه الممارسة والتأثر بها. فتجربة طعام محلية أو مساحة لعب أو معارض فنية قد تمكن المسافرين من التوقف عن الإحساس بالانتظار والانشغال بما قد يقدمه المكان من احتماليات أخرى غير الملل والتبرم.
تقدم المطارات التي تركز على تجربة المستخدم/ المسافر الرفاهية التي تقلل الضغوط المحيطة بفكرة السفر، بل وتزيد من مشاعر الرضا والارتياح والبهجة! لأن الأماكن التي تنشغل بتجربة المسافر تعزز من حضورها في ذاكرة من يعبرونها وتثبت بوصلة تركيزهم حول كيفية تحقيق أقصى استفادة منها! تخيل لو أن توم هانكس كانت لديه الفرصة أن يلاقي الرفاهية في فلم المحطة “the Terminal” هل ستكون تجربته درامية إلى ذلك الحد؟
إن فكرة الإحساس بالمكان قد تفهم من وجهة نظر فنية أو اجتماعية أو عملية…إلى آخره وعلينا أن نقر بأن هناك الكثير من الأماكن التي لا تحتاج أن تستنطقها فهي تتحدث عن نفسها وأن دورنا الحقيقي والمهم هو منح كل الإمكانات التي تعزز من الشعور الإنساني تجاه تلك الأماكن التي تحمل في ذاكرتها أكثر مما تقول في زواياها، الأماكن التي نشعر أنها مجرد فضاء عبور رغم أنها تطوي داخلها تاريخ عظيم ومهم لا يعرفه أحد.


