يبدو حديثاً عن الوطن ، لكن ماهو الوطن ؟ 

لست غير ذلك الطفل الذي يعرّف الوطن على أنه حضن والدته الآمن فيسابقك العمر لتعرف من الأصدقاء ما يكون بمثابة ذلك الوطن، ملاذ آمن من كل شرور العالم!

وتتسع تلك الدائرة الامنة حتى تعرف الأرض؛ طيبها وعنادها، بردها وحرها، صيفها وشتاءها، بعدها وقربها. تحبها بصوت طلال إذ يفديها ويخصها: «وطني الحبيب وهل أحب سواه»، وتشمخ بها مع عبده إذ يغني لها: «أبشر بعزم من حديد، شعب لهم بأس شديد».

الأرض التي تعرفك أكثر مما تعرفها، تحمل ذكرياتك حتى إذا نسيتها، قصتها قصة خدوشك، لونها لون جلدك، وصوتها هو صوتك؛ فماذا تقول وكل اللهجات لهجاتك؟

لم أتخيل أن تنتهي أيام المدرسة بهذه السهولة. أن أكبر ، وتنتهي فسحة الصديقات سريعاً، وتتغير اهتمامتي ومسارات حياتي وهواجيسي، ولا تعود المدينة تتسع لطموحي كما كانت.

كبرت لدرجة أتحدث فيها عن أخت متوفاة” نورة الله يرحمها ” ، ومدينة غير الجبيل، ومستقبل أخطط له وأنا مدركة تماما إمكانية تغيره في رمشة عين. هذه الدنيا أطول من أهلها فعلا! 

كتب، دراسة، عمل ، أهل ، سفر ، بحر ، بر ، عودة ، نخيل ، أنا ، أمي ، أبوي ، بيتنا.  

كل ما تأملت نخيل منزلنا أعرف بأنها رمزية لما نعود له دائما. زرع جدي الفسيلة قبل سنوات عديدة ليقول بأن ثمة لنا ظلا نستظل به، وطعام خير من كل الأطعمة، وأرض نطمع بطيبها فتتجمل بنا، وذاكرة أم النخيل نحملها معنا فلا ننساها.

أذكر مرة أنني مررت على عدد من البيوت في مدينة ما واستغربت: «ما عندهم نخل!».

يقول لي السعف الممتد أكثر مما تقوله الجهنميات التي تزين واجهات المنازل، وتقول لي عذوق الرطب أكثر مما تخبئ لنا الفصول من أسرار. أحب النخلة في كل مواسمها، أحب قصصها الخرافية؛ إذ تغضب إذا لمست في الحرارة الشديدة، وتغضب إذا زينت في البرودة الشديدة.

ولا يكون طلع السنة مثل كل سنة، إذ أن النخلة تكبر بعمر المكان الذي تسكنه، ويكبر طلعها.

أستمد من هذه التي تقبل القليل من الماء القوة، وأقتات على منظرها بذاكرة الظروف التي مرت بها، وتضيق بي الأرض كلما مررت على نخلة ميتة لأسأل: كيف يموت شموخها؟ كيف يتعب صبرها وتمل الوقوف؟

يؤمن الأحسائي بالنخيل أكثر من إيمانه بأي شيء آخر، ولو ولد في زمن لم يعرف فيه الله لاتخذ من النخيل آلهة، يتبارك فيها ويدعوها فتستجيب له تمرا وظلا وسترا.

وأنا إذ أكتب أعرف أن علاقتنا بالأرض لا تبدأ من تعريف كبير للوطن، ولا تنتهي عند حدود مدينة بعينها. شيء منه نصنعه بأنفسنا، وشيء نجده مزوعاً قبلنا؛ مدينة نشأنا فيها، وفسيلة زرعها أجدانا ، ولهجة نعود إليها.