
يركض الأحفاد في أنحاء البيت، يكبرون كل مرة أعود فيها شبراً أو اثنين. يجلس والدي على طرف الصالة، يقلب أدواته الجديدة التي اشتراها بالأمس من السوق الصيني في البحرين -هذه بالمناسبة عادة كل رجال الشرقية-
في الزاوية الأخرى من الصالة هناك تجلس أمي أمام ماكينة الخياطة، تعيد تشكيل القماش بين يديها كأنها ترتب الزمن. تنادي “دسنا” لتعيد إدخال الإبرة العالقة، و تتابع عملها بصبر اعتادت عليه منذ أن أهداها والدي هذه الماكينة قبل خمسة وثلاثين عامًا.
جلابياتنا الطويلة، الضيقة، الواسعة، كلها تمر تحت إبرتها، تخيط بها حكمتها وحنيتها وتحاول بعزم الأمهات أن تبقينا جميعاً داخل هذا النسيج ألا نغيب ، ألا ينسل منّا أحد. و في الغرفة المجاورة تقيم فطوم طقس رمضان المعتاد، تضع للبنات حناء اليد رغم تبرمهم ” ماحب ريحته، يع” وحماسهم ” يعني ناكل سمبوسة جبن بكرا؟”
أراقب كل ذلك بحماس مألوف وتوجس.أول رمضان دونك، أنتِ التي كنتِ تخططين لقائمة الطعام قبل الجميع، عجينة جلاش، عجينة سمبوسة، عجينة بقلاوة، وكأن الشهر لايكتمل إلا بوفرة الخيارات التي تتناسب مع ذائقتك، تدورين أثناء التراويح بمصحفكِ المجزّأ، تتمتمين وتسبّحين بصوتكِ الذي لا يخطئه أحد. تقلبين التلفزيون بعد التراويح لأن لابد من مسلسل رمضان ونجتمع كلنا على شاشة واحدة لنختار مسلسلنا.
يمر الزمن علينا جميعاً، و لاتغيبين، في رائحة الحناء، في التعليقات الساخرة على أدوات والدي، وفي المقاسات التي تعيد ضبطها والدتي، في عيون سارة، وعناد سعود، وحكمة سعد، وشقاوة سليمان.
كبرنا نورة، وتحمست لرمضان بمبالغة واضحة على شخصيتي، كي لا أسمح للألم أن يكون بطل قصة غيابك، لقد كنتِ أكبر من ألمك، وعلينا أن نكون كذلك، لا أظن أن أحدًا منا قد يتفوق عليك لكننا نحاول، نجاري هذا الفراغ الذي يحتم علينا الإيمان أن نتعايش معه، هذه الاستعدادات ليست مصطنعة بل طبيعية، هي شكل الرضا بالقضاء والقدر.
نعيد ترتيب العادات فنتذكرك بحب وود، تتغير المعطيات لكننا نبقى على قيد من التذكر والعبادة يمنحنا ذلك نحن -عائلتك- السكينة تارة ويسمح لنا بالحنين تارةً أخرى.


