
بدأت رحلتي الصحية منذ سنة تقريباً، حين بلغت فيها وزن خيالي لم أظن أني سأحقّقه، ولا ألوم نفسي بل الظروف، والضغوط الاجتماعية، و أعباء العمل، والأخبار على الشاشة، وأسعار الذهب، وانفصال صديقتي عن الرجل الذي تحبه، والعالم كله، لا الكسل ولا اختياراتي غير الصحية، ولا رغبتي في التقوقع داخل سريري والاختباء من الواقع.
لم تكن رحلة انقاص الوزن سهلة أبداً، كانت قليلة السعرات، عالية البروتين، خالية الدسم، منزوعة القبول، مثل وجوه كثيرة أعرفها. وأظن أني جاهدت نفسي في الابتسام لها ومجاملتها والاخذ بعين الاعتبار العلاقات الشخصية، و الـ ١٠ الاف خطوة، و صورتي الودودة والمسالمة.
لا أكذب! عانيت كثيراً من الصداع النصفي، الكلي، الكوني، العالم كله في رأسي، تطبيقات طلبات التوصيل، التيراميسو الذي أحبه وأكرهه، صورتي المختلة عن الجسم الصحي والرشيق، مديح صادق: “ماشالله نحفانة”، ونفي متردد: “لا باقي! ” لا أدري لماذا نميل لاعتبار خسارة الوزن مشروعًا اجتماعياً يبدأ بيوم الأحد، أو الأول من الشهر، أو بعد العيد، ولا ينتهي فعليًا إلا بالتقييم، والتصفيق، والمقارنة، والتبديل بين أنظمة الرجيم كما لو كانت فساتين صيفية.
وللأسف الأمر لا يتوقف عند الطعام نفسه، بل يمتد إلى تلك العلاقة الغريبة التي تنشأ بينك وبين الميزان، و ذلك الرقم الذي يملك قدرة غير مبررة على إفساد يوم كامل أو إصلاحه. في مرحلة ما، لا يعود الجوع مجرد احتياج طبيعي للأكل بل اختبارًا للصبر، ولا تصبح الكعكة تجربة لذيذة بل موقفاً أخلاقيًا تجاه السكر الأبيض، ولا يبدو الشبع شبعًا تمامًا، بل شيئًا أقرب إلى الهزيمة تجاه الساعة التي قررت فيها أن تكون رشيقاً.
مرّ علي قبل أيام تعبير: “أكثر شيء دب سويته”، ولمست من خلاله الشراهة في بعض المواقف التي قد نكون فيها تحت ضغط معين، فنستعين بالأكل ليخفف أزمتنا الوجودية، أو يرفع هرمونات سعادتنا، أو يمنحنا قدرة مؤقتة على تقبّل الواقع. وطرأ في ذهني سؤال: هل نحن متعلقون بالطعام فعلاً أم بكل ما حملناه إياه؟
فالآيس كريم مواساة بعد يوم سيئ، والقهوة إعلان غير رسمي لبداية اليوم، والكعكة احتفالًا بإنجاز ما ، والعشاء الطويل وسيلة لتمديد اللحظة مع من نحب، والتيراميسو.. صراحة لا أدري. عمومًا لكل لقمة وظيفة تتجاوز كونها طعاماً.
ولأكون صريحة ، نحن نفعل الشيء نفسه مع أشياء كثيرة. نحمّل الحب وعود الأفلام الرخيصة التي تابعناها، ونحمّل النجاح استراتيجيات ستيفن كوفي التي لاتقترب من الواقع ولا تعد بنجاح مطلق، ونطلب من الأشياء أن تمنحنا شعورًا لا تملكه أصلًا.
وأمام حياة ثقيلة كهذه نتوق لأن نعيش على الأقل بأسلوب قليل الدسم ، فنبحث عن النسخة الأخف من كل شيء؛ علاقة بلا تعقيد، ورأي بلا حدّة، وشخصية بلا تناقض، وحياة بلا مخاطرة. ننزع من كل شي احتمالية أن يثقلنا ، ثم ننزع ما يربكنا، ثم ننزع ما قد يجرحنا حتى لا يبقى إلا ما يسهل استهلاكه ثم و بثقة مصطنعة ندعوها : حياة صحية!
وقد أكون أبالغ، وأتعمد ذلك أحيانًا، لكنني على الأقل تصالحت مع الدب الذي يعيش في داخلي ، و قررت أن أستمتع في الرحلة خفيفة كانت أو ثقيلة. أعد الخطوات و أتعثر في السعرات ، وأطرح على نفسي أسئلة أكبر من التيراميسو وأصغر من أزمتي الوجودية.


