
لقد قرأت محمد حسن علوان صغيرة ، أتلمّس شكل الروايات كما يتلمّس طفل وجه غريب، و لا يعرف ما يبحث عنه، لكني شعرت بالألفة معه ، ولا أدري هل هذا تأثير لغته أم حساسيتي ؟ أم أنه حاصل مجموع الإثنان معاً. أذكر كيف كنت أدافع عنه حين يُنتقد يقولون: لا يملك القصة، فأرد: يملك اللغة! يقولون: لا يصنع الحدث ، فأحتجّ، كأنهم ينتظرون رواية بوليسية!
هذه اللغة الرفيعة التي دفعتني لأن اتتبع أعماله بدءًا من سقف الكفاية مروراً بالقندس،صوفيا، طوق الطهارة، ووصولاً إلى موت صغير، حين يعيش معك كاتب مثل علوان في سنوات قرائتك الأولى ، تتغير علاقتك لمفهوم الرواية وشكلها، لا تبحث عن حبكات، بل يفتش فضولك عن هذا الكاتب الذي يعرف تماماً كيف يختبئ خلف شخصياته، متى يتجلى ، هل يتخيل أم أن ماحدث كان واقعي جدًا مثلما كتبه. فالقراءة المتكررة لكاتب معين لا تصنع قارئًا متحيزًا، بل تخلق علاقة تشبه العِشرة !
يقدم علوان من خلال روايته موت صغير سرداً لأشهر المتصوفة وكتابة مختلفة “ليست تاريخية” بل إنسانية بحتة عن الكبريت الاحمر والشيخ الأكبر “ابن عربي” وهو اختيار ذكي استطاع من خلاله أن يمارس إبداعه اللغوي من خلال سرد رشيق وموضوع دسم في نفس الوقت. فكلما أوشكت الرواية أن تستسلم لشكلها التقليدي، جرّها علوان مجددًا إلى مساحته الأثيرة”اللغة” فعلوان على الرغم من اهتمامه بصحة ماجرى إلا أنه يعول أكثر على أن “تشعر” تماما كيف جرى . ولهذا لم تكن الرواية ثقيلة رغم صفحاتها الكثيرة، لأنها جاءت مكتوبة بإيقاع خفيف يجعل القراءة نفسها فعلًا مريحًا.
موت صغير رواية تُمهلك قبل الدخول بعتبات مقتبسه من أشهر مقولات ابن عربي، لتمنحك فرصة تأمل هذا الإنسان الذي يخطئ ويصيب، يتجلى وينكسر يضعف ويحب ، يشتاق ويرفض ، كل عتبة كانت كأنها باب، لا يُفتح بالعجلة، بل بالإنصات. وهذه العتبات المختارة بعناية بالنسبة لي، كانت جزءًا من أثر الرواية لا يمكن تجاهله. تمنحنا العتبات القدرة على استرجاع فكرة أن القراءة فعل بطيئ لا يحتمل سلوكنا الاستهلاكي بجر الصفحات واحدة تلو الأخرى بغرض اتمام عددد معين من الكتب، العتبة تقول لك إقرأ على مهل، وامنح كل فكرة الوقت الكافي لأن تعبرك.
لا أخفيكم، لست قارئة محايدة ، أنا متورطة بالكلمة ، و أحب البناء الذي يدفعني للتأمل، للغة الشاعرية أثر عميق في تخفيف حدة الواقع الذي نعيشه ، تسكت اسئلتي الداخلية وتمنحني فرصة تذوق بقلاوة دون الندم على السعرات المحسوبة ، ولو أن هذه السعرات قد يكون أثرها أشد وطأة اذ اصطدمت بجفاء الحقيقة، والسخرية المتداولة عن رواد الأدب الرومانسي.
أظن أن أجمل ما قدمه علوان، أنه استخرج ابن عربي من رف التاريخ إلى ساحة الإنسان، وقدمه لنا كإنسان يشبهنا تماماً، إنسان يتوق لما هو أسمى من هذه الحياة العادية، وبهذا التوق كان ارتحاله حقيقياً، يبحث عن الله في وجه العالم، وعن نفسه في ملامح هذه الغربة و يبوح بهذه الرغبة بصدق عظيم بقوله : “من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار. المؤمن في سفرٍ دائم. والوجود كله سفرٌ في سفر. من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم.”
لفته أخرى وجدتها في هذه الرواية أنها تراعي تحديداً كل لغط يخص المتصوفة ويهاجمهم فهي تأتي بحياة ابن عربي الذي نشأ بطريقة عادية اختار، وكان اختيار الله فوق اختياراته، ضاع كثيراً وظل الله ينور عليه ويرشده مرة من خلال حدسه ومرة من خلال أصدقائه والناس المقربين منه عندما رفض الزواج والارتباط جاء زواجه من مريم بداية البشر عليه فقال ” في المرأة تكتمل الحقيقة”
كنت أتمنى لو تسرّب إلى الرواية المزيد من ذاك الحب الغامض الذي لا يُروى. الحب الذي تتسائل عن حقيقة وجوده وكماله. مع ذلك بقيت هذه الرواية من أجمل ماقرأت لأنها لم تحاول أن تكتمل بكمية التفاصيل، بل بنوع الأثر.
ختاماُ إن موت صغير ليست رواية تحكي عن ابن عربي، بل عن كل من تورّط في الأسئلة، وفي الحب، وفي طلب الحقيقة. هي رواية لا تقودك إلى نهاية، بل تصحبك إلى الداخل. رواية اكتملت بشخصيتها ولغتها وشاعريتها ، وصارت تنتمي إلى ذلك النوع النادر من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة.

