
صباح الخير يا صديقي، كنت أكتب هذه الرسالة على عجل وتذكرت كم هي حزينة الكلمات التي تصير وحيدة عندما لا يسمعها أحد. تبقى تتردد في الصدى بلا نهاية. وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تتلون بمعان عديدة، لتصبح مثل علامة على مكان أو زمن أو أثر ما.
أتخيل لو تحتج علينا الكلمات فتغادر أو تهرب مثل شخصيات غوستاين غاردر في عالم صوفي التي ما أن عرفت بأنه يتم استعمالها بطريقة لا تحبها حتى قررت أن تهرب من الرواية، مالذي سنفعله بعدها لو قررت الكلمات ذلك؟ هل نعود لاغتراب الإنسان الأول فنعبر بالجسد والايماءة.
هل أرعبك ذلك؟
تستوقفنا الكلمات المميزة والتي نظن أنها غيرت شكل العالم بطريقة ما، نقول بأن أثر خطاب ” لدي حلم ” امتد حتى يومنا هذا وننسى تلك الكلمات التي شكلت عالمنا الصغير وصارت سببا في توازننا مثل ” أكلت؟ نمت؟ من هو صديقك الجديد؟ وما هو وضعك الدراسي أو الوظيفي “ونحن نفتش عن كلمتنا المناسبة لوصف شيء ما فنختار كلمات كبيرة من قبيل: بديع، عظيم، مذهل، فيما أن حتى للكلمات العادية وقعاً هاماً وكبيراً تماماً ألا نتذكر دون جوزيه في رواية كل الاسماء إذ استحوذ عليه هوس البحث عن بطاقات مميزة حتى صادفته بطاقة فتاة عادية! فظل مهوساً بها طيلة الرواية؟
اليوم استبدلنا هذه اللغة بعالم تملؤه الوجوه التعبيرية والملصقات تعبر عن حالة نمر بها ويمكنني تلخيصها في ملصق الضفدع الأخضر أو جيري وهو يلبس البشت أو المذيعة المصدومة من وقاحة الضيف – أعرف أن وصفها هنا لا يشبه تماماً أن تراها مباشرة – استخدمت مرة ملصقاً مليئاً بالورود والقلوب للتعبير عن امتناني فكان الرد “ستيكرات الأمهات” فحتى هذه الملصقات صار لها عمر وجنس ومجموعة تنتمي لها أي أنها لغة خاصة بمجتمع ما وإن كان صغيراً!
لطالما شكلت كانت الكلمة صلتي بوالدي فتعلمت كلمات الأغاني التي يحب من أجله، كان كلما سمع لحناً وعجز عن التقاط كلماته آتي مسرعة لأقول بأنه أبو نورة يرفض “الباب والسور و الحارس”. وكلما نسي الكوبليه الثاني من “تحريتك سنين طويلة” لصالح الحريبي أُكمل بصوت يشوبه الشك “وأنا خايف إن صدرك لا يبه قلبك نساني”، حتى تطورت هذه العلاقة من محاولة استعادة الكلمات المنسية إلى ارتباط بنداء طلال مداح وهو يقول: “تعالي ما بقى حولي سوى ظلي وحبك” ويستمر طلال بالنداء “تعالي ما بقى بي حيل” ولا تأتي هي وتستعصي مثل كلمة متممة لبيت القصيدة مثل حلم بعيد مثل أغنية يرددها أبي.
و ماذا عن الكلمات التي تراوغنا على الدوام، والتي يمكن أن لا تعني بالضرورة ما تشير إليه، فحتى وإن عنت عكس ما نعرفه عنها، فلذلك دلالة ايضاً. وعلى ذكر عدم المعنى لعلنا نتذكر مجدداً عرابة الفتاة في رواية كل الأسماء لساراماغو حين قالت بخبث: “وربما لا يكون البحث في دليل الهاتف بالفكرة السيئة لدى الوداع وكل كلمة من هذه الكلمات التي تبدو بريئة بذاتها، ولا يمكن لها أن تغضب اشد المخلوقات حساسية تحولت في لحظة واحدة إلى شتيمة عدوانية” كاد ان ينفجر معها دون جوزيه مثلما نفعل احيانا حين نقرأ الكلمات في غير سياقها ونحشرها في غير مكانها قولا وكتابة ، نقول “طيب وتمام ” بدل أن نعبر كم يزعجنا أن لا نلقى الاهتمام الذي نريده أو كم كان مؤلما شعورنا بالثقل رغم خفتنا.
نبتعد قليلا، نقترب كثيرا وتكون الكلمة هي الفاصل بين كل هذا. كلمة واحدة مفهومة وفي سياقها المناسب. ان الكلمة دهشة وثقل ومعنى. فما الذي يمكن أن يربطنا بالسماء والبحر والشجر والبشر غير هذه الكلمات الضيقة في شكلها، الممتدة في معناها؟ إن الكلمة ذاكرة للمكان والصوت والشعور فتخيل معي. ماذا لو اختفت الكلمات؟
جانب من مشاركتي هذا النص في مسابقة أقرأ المقدمة من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي إثراء و جريدة الرياض


