
في مدينة تتنفس الصناعة، لا يكون النمو مقتصرًا على الصناعات الكيماوية والبيتروكيماوية ، بل يمتد إلى العقول التي تتشكل وسط إزعاج الآلات وإرهاق نوبات العمل” الشفتات” والنظرة التأملية الخاطفة على الطريق السريع لمصنع يحرق بأكثر الطرق سلامة نفاياته الكيميائية!
في الجبيل الصناعية، لاتكون طفولتك اعتيادية أبداً، إذ أنك لاتكبر فقط بين شوارع منظمة ، ونظام تعليمي مميز، وأحياء متشابهة ، وعوائل يجمعها نوعٌ غريب من الغربة، ومصانع تمتد إلى الأفق، بل تتعلم- دون أن تدري- كيف ترى العالم بمنطق مختلف، حيث لا شيء معزول عن الآخر، وكل شيء يشبه شيئًا بطريقة ما.
في صغري كنت أهرب من فكرة أن كل شيء مرتبط ببعضه، و أرى في هذا الارتباط نوعًا من الفوضى الخفية، تقوله الانتروبيا ” أي نظام مغلق محكوم بأن يتجه يومًا ما نحو التشتت والعشوائية” . لكنني أدركت لاحقًا أن الفوضى ليست دائمًا النهاية، بل قد تكون الفرصة لإعادة التشكيل والإبداع.
ورغم أني هربت من التخصصات الهندسية والصناعية ، واخترت الإدارة لأنها توفر لي مساحة أكبر للقراءة والعمل الثقافي ، لم أتمكن قط من تشتيت ذهني عن قصص والدي الذي يعرف المجال الصناعي أكثر من غيره، ويخلق روابط عجيبة من الأشياء تتركني أتأمل ترابط العناصر ببعضها رغم التنافر الظاهر بينها. لقد زرع في داخلي قناعة تامة: أن لا شيء يحدث عبثًا، و كل شيء يمكن تفكيكه، تحليله، وربما إعادة بنائه بطريقة أخرى.
خذ الجريش مثلًا، ففي وجهة نظره لم يكن الجريش مجرد طبق تقليدي تطهيه أمي لأنه يحبه ، بل تجربة صناعية مصغّرة. يرى في حبيباته الصلبة، المنفصلة التي تسحرها الحرارة واللبن فتندمج وتلين لتصبح كتلة واحدة متماسكة نموذج مشابه لمصانع” البوليمرات- البولي إيثيلين”، حيث تتحول الحبيبات الصغيرة إلى مادة واحدة، جاهزة لتُصبّ في قوالب جديدة، تُمنح هوية ما ، تُصبح شيئًا آخر تمامًا، بلاستيك!
حين قرأت لجاك دريدا لأول مرة لم يكن أسلوبه غريباً علي، لقد ألفت “التفكيك” طوال حياتي، في المصانع، في المواد الخام التي تتحول إلى شيء آخر، في الجريش الذي يذوب ليصبح طبقًا متجانسًا، وفي نظرة والدي الهندسية التي تحول كل شيء لمادة أولية قابلة لإعادة التشكيل. و في الجبيل التي تبدو كنص صناعي ضخم ممتلئ بالكثير من الدلالات الجامدة ، لكنه يحمل في جوهره قصص عن الإنتاجية ، التحول المستمر وعلاقة الإنسان بما هو له وليس له في آن واحد.
فالبوليمرات، بطبيعتها، مجاز تفكيكي حيّ لأفكار دريدا عن النصوص إذ تتفكك، تعيد تشكيل نفسها، وتتخذ أشكالًا جديدة، تمامًا كما تفعل المدن الصناعية بأبنائها حتى بعد مغادرتهم لها ، والأهم من ذلك ، أن دريدا يرى أن الفوضى ليست بالضرورة سلبية، بل فرصة لإعادة البناء والإبداع من جديد.
لقد منحني صالح ، والدي ، هذا النوع من التفكير التحليلي وأعني القدرة على ملاحظة التشابهات، من رؤية الصناعة في الحياة العادية ، و الحياة العادية في الصناعة بوصفي طفل نشأ وترعرع في منطقة صناعية ، مقيدة بأنظمة سلامة صارمة ،ونمط حياة مستقر، وبيئة اجتماعية متعلمة ، وتوقعات مستقبلية محددة إذ مالذي قد تمنحنا إياه الحياة خارج الجبيل ؟ هذا سؤال أبحثه الآن…
ربما لهذا السبب، حين أقف أمام أي مشهد أفككه أكثر من اللازم ، أِشعر به ، أتلبسه ، وأحيانا أكونه، كنت أظن أن ذلك يعود لهوسي بالكتابة لكن لعله مرتبط أكثر لحياتي في مدينة تعيد تشكيل الأشياء بطريقة مستمرة. فالإبداع عندي يعتمد على جذور الأشياء، أنظمتها الداخلية، واللامقول منها. و في الجبيل، لا يكبر الإنسان بين المصانع فقط، بل يكبر وهو يرى العالم مثل معادلة كبرى، تنتظر من يفككها، يعيد تشكيلها، وربما يكتبها من جديد.


