أعرف من كمبوديا كسرة العود التي باعها شاب لوالدي في السوق وتبين فيما بعد بأنه خشب عود مغشوش، هذا كل شيء. في بداية الرواية تخيلت بأنها قصة حب مبالغ بها بين فتاة مراهقة ورجل مغرم بالموسيقى يعيشون دهشتهم الاولى في اكتشاف الحب، اشدت بنظرية الآب حين عاتب ابنته قائلا” سيعود لوطنه” لم يعجبني سيري بطل هذه الرواية، الممتلئ بالجاز والاغاني الشعبية وقصص ماخلف النهر وكنت اعيش ذات توتر آن جريفز في أن تفتح الحدود فيعود يوما!

لقد كبرت آن جريفز بصدمة رحيل والدتها فكانت تقول ” كل ما تعلمته من أمي أن هؤلاء الذين نحبهم في وسعهم أن يختفوا فجأة، بشكل غامض. ومن ثم لا شي” وهذا السؤال الكبير عن الفقد ظل هاجسها طول الرواية وعلى الرغم من أنه صنع منها شخصية قوية وذات اصرار عالي الا ان هذا الفقد امتد من والدتها لسيري ثم للشعب الكمبودي كافة.

هذا الحب الذي يضيع على حافة النهر ويستحيل إلى صورة لا يمكننا الامساك بها ودفنها أو حرقها والصلاة على روحها وروح كل الجوعى كل المعذبين كل من كانت السلطة والحرب سبب في اعتباره بلا قيمة فكان الموت بالفأس لا بالرصاص مصيره والقبر الجماعي هو اكثر مايستحقه.

تكتب كيم سيرة الخمير الحمر وحكم بول بوت لأن امرأة في السوق قالت لها لا تفعلي شيء دعي العالم فقط يعرف ماحدث. ففي خلال اربع سنوات من حكم الخمير مات مايقارب ثلاثة ملايين كمبودي أي ٢٥٪ من الشعب تحت سلطة اشد الانظمة ظلما وجورا، هجرت هذه الحكومة الناس من المدن الى المزارع لان ” المعلمين ، الموسيقيين ، الرهبان ، سكان المدن العاملين” هم أشد الاعداء ولا انتاج حقيقي يأتي منهم فهم مشبعون بالفردانية ولا يريد الخمير الحمر الا ان ” يعيش المرء او يموت فداء لثورة كمبوتشيا ” تركت هذه الحكومة ربع الشعب يعاني من الأيادي و الأرجل المبتورة نظرا للألغام التي أرغمت الأطفال على زرعها ففي وجهة نظر الخمير يكون الأطفال وحدهم هم” الأنقياء:” من لم يتلوث بفردانيته وبإمكانه أن يبني كمبوديا جديدة!

شدتني اللغة” آون ساملان” واعجبني جداً ان يكون للكاتبة هذه النظرة في أن ما يشعر به المرء أحيانا يتعدى اللغة فيختار لغة جديدة مثلما فعل سيري مع الموسيقى اولا إذ ‏خبأ مشاعره بها وما تلى ذلك الاعتراف بمناداة آن جريفز بلغة الخمير وتعليمها بعض كلماتهم حتى تحولت تلك اللغة الى الصمت الذي عانى منه سيري بعد لقائه بها بـ ١١ سنة.

تركت هذه الرواية سؤال كبير داخلي مثله الموجود عند آن جريفز ” عندما نعرف ماذا نفعل؟” وبقيت اسأل سؤالها في الغفران فمن سيعيد القصص والأغاني ولحظات الدفء. من بإمكانه أن يمحو عن الأرض ذاكرة ما فعلوا بها ؟

شاهدت بعد هذا العمل فيلم ” First they Killed my father ” وهو منقول عن ذاكرة احدى الاطفال الذين نجوا من مآلات هذه الحرب الجائرة ولمحت الاعلام الحمراء وانتقال المليشيات لداخل المدينة وتهجير أهلها والتجويع في القرى وكل ما ذكرته كيم اكلين تم تجسيده هناك ولا اكذب في أن أقول بأن نوبة بكاء لازمتني بعد ان انتهيت منه لان ما الذي نفعله لهذا العالم الذي قال عنه ريلكه ” نشيده فينهار ، نشيده ثانية فننهار نحن ” لقد تألمت لأن لهذه الارض جمالية اجهلها والم أكبر من العود الكمبودي المغشوش.