
في البدء لابد أن أقول بأن هذه الرواية صعبت علي تصنيف أفضل روايات كونديرا هل تكون الخلود أم الكائن الذي لاتحتمل خفته ؟
وجدت نفسي على ذات القيد من الدهشة والامتاع، يكتب كونديرا هذه الرواية بوصفها صورة عن الخلود الذي يبحث عنه الانسان ولكل انسان- خلود محبب- فلورا في خلودها كانت تريد أن تأخذ كل العالم على عكس شقيقتها اناييس التي كانت تود أن لا يأخذها العالم عبر خلودها.
تبدأ هذه الرواية بسحر ايماءة مقرونه بالجسد فتحلق الايماءة ابعد لتشكل خلودها الخاص خارج الجسد، يسأل كونديرا سؤال الهوية على لسان والد اناييس ويشكك في فرادة الإنسان وفيما إذا كنا نسخة طبق الأصل من آدم ألا يقودنا ذلك الى نوع من الوحدة التي تدفعنا لأن نضيف او نطرح الكثير عنا\ منا لنقول ان هذا أنا ؟ ولا تكون الاشكالية بالاضافة بل بالوردة التي ستغطي اناييس عينها بها حينما تمشي بالشارع لمنع موجة البشاعة التي تحل بالعالم جراء هذه الاضافة!
يحضر غوته في طفولة اناييس ويحضر بعدها شخصيا في محاولة ذهابه للخلود دون اي زلة من بيتيانا التي كانت تحاول ان تنال خلودها من خلاله ، ويقابل غوته في خلوده همنغواي ليسأله كيف يحتمل أن يكون خالدا عبر شخصه لا اعماله ؟ فذلك كان كل ما يرعب غوته الذي ود أن يرتكب الكثير من الحماقات لولا انها ستشوه الصورة الاخيره لرحيله عن هذا العالم. ولا أدري كم مرة ذكرت الخلود حتى الآن في هذه المراجعة لكن الرواية احتفاء حقيقي بهذه الفكرة على كل الاوجه وهذا ما اعطاها ميزتها بنظري.
وفي رحلتنا نحو العالم الآخر لابد أن يطرق سؤال الآخر الباب فهل نود فعلا ان نحتفظ بعائلتنا و ازواجنا وابنائنا في العالم الجديد فنعزف معزوفة العود الأبدي لنيتشه ؟ فهذا الحلم الذي ظل يراود اناييس باستمرار بحضور زوجها فكيف تخبره بأنها تحبه وعلى الرغم من ذلك لا تريد آن تعيد حياتها معه ؟
وماذا عن رحلة الفتاة التي لا يسمعها أحد فكان وجودها ثقلا عليها ورحيلها ثقلا على الآخرين، الم ترغب في أن يصطدم بها أحد ويحدث ذلك دويا يتذكر منه الجميع انها كانت هنا ؟ الم تكافح لتنال خلودها الذي يليق بكل ذلك الصمت الذي عاشته ؟ ولعلي أتذكر في هذا الفصل الذي يتحدث عن الكفاح لورا وهي تحاول ان تضيف لأناها كل ماهو مميز فتختار النظارات السوداء لتقول بأنها حزينة وتندمج مع قطتها لتقول بأن ما ترفضه قطتها هو ما ترفضه هي في الواقع وتحتج على صورة الحب التي تعيشها لأنها لا تمنحها الخلود الذي تريده.
يشرح كونديرا فكرة الإنسان العاطفي فيقول ” هو الذي بوأ العواطف محل القيم وبذلك هو وأناه يحترقون جراء هذه العاطفة التي تقودهم كيف تشاء ” و في الحديث عن العاطفة يكون هذا حديثا عن الروح أما في الحديث عن محاكاة العاطفة يكون هذا فعلا جسديا لا فرادة فيه إذ ان كل البشر يقومون به ولا خلود فيه وبذلك ينشأ ألم الإنسان العاطفي.
أخيرا يتركنا كونديرا على ميناء الحياة نسأل الصدفة و خريطة الأبراج عن موضوع حياتنا ونحتفل في النهاية عند المسبح الذي انطلقت منه الايماءة بخلود كل هذه الشخصيات بأحوالها المتعددة في وجدان القارئ أو وجداني أنا تحديداً.


