قراءة هذا الكتاب بمثابة حضور دروس في علوم الإجتماع والإقتصاد والتسويق في النصف الأول وحصص من التاريخ والفلسفة والدين والسياسة في النصف الثاني.

كانت قراءة هذا الكتاب بالنسبة لي دهشة مركبة، دهشة فوق دهشة وأعتقد لأنه تقاطع كثيراً مع مسار دراستي الجامعية فكنت في كثير من الأحيان أفهم تلك الأبعاد التي لايفهمها غير المختصيين، كما أني شعرت بأنه من الكتب التي تكون باباً لكتب غيرها، ففي كل مبحث قرأت فيه خارج الكتاب تفتحت لي مصادر ومعلومات جديدة ومثيرة.

ينقسم الكتاب الى قسمين أسباب المشكلة، والحلول.
يبدأ الآن دو بوتون في توضيح المشاكل المتسببة بقلق السعي للمكانة التي يكون على رأسها هو افتقادنا للحب، وأهمية الحب في حياتنا منذ بدء البشرية، فتكون رغبتنا بالحيازة على الثروات وتجميعها نتاج لرغبتنا في حيازة كل الحب والأنتباه لذواتنا يقول آلان في ذلك ” من شأن شعورنا بأننا غير ملاحظين أن يحبط بالضرورة أكثر الرغبات احتداماً للطبيعة الإنسانية” وفي ذلك يشير إلى أن قلقنا الحقيقي في الإرتقاء على السلم الإجتماعي نابع من قلقنا لافتقاد المكانة التي نسترعي من خلالها حاجتنا للإنتباه والحب.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ثاني الأسباب المتعلقة في هذا القلق وهو الغطرسة أو كما يشير في كثير من المحاضرات التي يلقيها الآن ” Snobbery ” وهو أن تشكل طبقة ما من المجتمع رأس الهرم فيه وتبدأ ببمارسة هذا السلوك بوعي ولا وعي على من هم أقل منهم، حتى وإن كان لك مايكفي من الذكاء والفطنة والمهارة سيكون ذلك الشعور بالمرارة الذي يولده صحبة المتغطرسين حولك كافي بتغير اتجاهاتك وخلق تلك الحاجة الخالية من المعنى لصناعة منجز يفوق طاقتك. ويتعمق الكاتب في تحليل سلوك المتغطرسين في تحقير كل منهم أقل مكانة منهم بقوله ” ربما يكون الخوف وحدة هو جذر المشكلة، لأن الواثقين في قيمتهم الذاتية لن يتسلوا بتحقير الآخرين وراء الإختيال والغرور يكمن ذعر مقيم فحينما ننقل لبعض الناس الشعور بأنهم غير أكفاء لنا يأتي القصاص اللازم بشعورنا بالدونية أزاء أشخاص آخرين” وهكذا تدور الدائرة ولا تنتهي في عالم المتغطرسين، ويزداد القلق ولا يقل، ونبدأ نحن كبشر في مراكمة كل ماقد يرفعنا لكننا لانتعرف على من نكون فعلاً.

يأتي بعد ذلك التطلع والكفاءة كسببين ناتجين عن الغطرسة ودافع لقلق السعي للمكانة الذي يضرب طبقة المتغطرسين في عمقهم فعلى مر الزمان كان لهؤلاء نوع من الحماية التي يوفرها العرق أو المال أو النفوذ لكن وبسبب تغير طبيعة السيادة في العالم ودخول الحركات الرأسمالية والإشتراكية كان لذلك نتيجة في خلع ذلك السقف الذي يحمي طبقة النبلاء وعدم اغلاقه، وبذلك نشأ الحسد الذي دفعنا ليس إلى مقارنة أنفسنا بأسلافنا الذي عاشوا حياة صعبة بل بأقراننا ومن هم في دائرتنا المرجعية كأصدقاء، أقرباء، زملاء عمل. كان لجملة ” الحلم الأمريكي” الأثر في تعزيز ذلك القلق وفتح باب الفرص على مصراعيه حتى إذا أخفق الإنسان شعر بأن ذلك الفشل ليس نتيجة لمجتمع طبقي لايوفر له المساواة بل نتيجة لانعدام مستوى كفاءته مع اقرانه.

يلي ذلك أخيراً الإعتماد والقلق الناشئ في المجتمعات من الإعتماد على الموهبة التي قد تزول حين تمل ربات الإلهام أو الإعتماد على الحظ الذي قد يوفر لك قوت يومك اليوم لكنه لن يضمنه لك غداً أو الإعتماد على صاحب العمل المزاجي وربحيته إذ أننا نعلم بأن ما أن تنهار شركة ما حتى يكون ذلك انهيار لحياة الموظفين فيها مما يقودنا للإعتماد على الأقتصاد العالمي الذي تغيره الأزمات هل نتذكر هنا انهيار السوق المالية ٢٠٠٨ ؟ لا سأحاول جعل هذه المراجعة معاصرة جداً واذكر COVID-19 أو فايروس كورونا الوباء الذي هز الإقتصاد العالمي وتسبب بالكثير من الخسارات والكثير من ( القلق )

إذاً مالحلول ؟ كيف يمكننا معالجة قلق السعي للمكانة إذا كانت أكبر المؤسسات تصنعه وتروجه لنا على هيئة شعارات ” لحياة أفضل أنت تحتاج ذلك ” لصحبة أكثر أنت تحتاج ذلك ” فلا يدري المستهلك البسيط بأن رغباته تتم صناعتها وهي ماتقود بشكل أو آخر إلى قلقه الغير مبرر ؟

يقول آلان دو بوتون أن هناك خمسة حلول أستخدمت على مر التاريخ وكانت سبباً في تقليل أو الحد من هذا القلق الناتج عن السعي للمكانة منها الفلسفة
فقد جاءت الفلسفة لتفكك المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالشرف والمكانة ولتحدث شكل من المنعة تجاه أحكام الآخرين التي لاتعكس بضرورة الحال الصورة الحقيقية عنا أو عن مكانتنا.
طالب الفلاسفة على مر التاريخ بتحكيم العقل، وتوجيه العواطف الغير مبرره نحو الأهداف التي تصنع حقاً سعادتنا بدلاً من أن تضعنا في قلق من المكانة الإجتماعية الخاصة بنا، كما أن آلا دو بوتون أضاف إلى أمثلة أرسطو في توجيه السلوكيات بمعاونة العقل بأن المثال الفلسفي قد يكون الطموح فكلما زدنا منه تسبب ذلك بهوس وقلق السعي للمكانة وكلما انتقصنا من ذلك الطموح تسبب بخمول وكسل المكانة.

يأتي بعد الفلسفة الفن فقد كان للأعمال الفنية الفضل في نقل صورة المكانة من أصحاب الجاه والأمبراطوريات إلى امرأة في الدار ترعى زوجها، إنه اللمسة التي تقول لنا بأن ثمة جانب آخر حقيقي وصادق للحياة يستحق التقدير والحب، يأتي على ذلك أيضاً تكثيف الكثير من الأحداث من خلال الروايات العالمية للفقراء إذ تفنى أعمارهم ابتغاء الخير وتقويض لصور الماديات التي لاتدل بضرورة الحال على الحالة الأخلاقية لمالكها.

تكون السياسة هي الحل الثالث ضمن الحلول التي يقترحها آلان فبدورها هي التي تشكل المجتمعات من صيادين نمور إلى ملاك أراضي أو أصحاب شركات فقد يبدو الوعي السياسي مهم جداً لتثبيت الصورة الذاتية للمكانة وعدم تعرضها للإبتزاز من قبل أصحاب الايدلوجيا، فالعقل السياسي لايقبل بالتسليم والتقيد بالتقاليد ويتسائل دائماً ” ألا بد من هذا ” وهل يعمل الأمر فقط بهذه الطريقة ؟

يأتي الدين كحل آخر لهذه المعضلة فالفكرة من وجود حياة أخرى بإمكاننا تحقيق ذواتنا بها تبدو مريحة لمن يعاني جراء هذا القلق، تكون الحياة غير قابلة للإحتمال إذ عشناها بالجانب المادي فقط لكن ما ان يتم امتلاء الجانب الروحي بالوعظ والنصح حتى تخفت تلك الاسئلة التي تتعلق بوجودنا وسعينا فيها، كما أن ماتضيفه فكرة الموت يحجّم قدر الحياة التي نعيشها فلا يجعل من ذلك القلق الا نقطة سوداء ضمن صفحة كبيرة مجهولة.
وأخيراً تأتي البوهيمية كنمط حياة يقدس الفن إذ ويرى كامتلاء روحي وموقف عقلي تجاه البرجوازيين وأصحاب المكانة. يرى كل من البوهيمين بأن الشهداء الأبرار هم الذي ضحوا بالأمان الوظيفي والمكانة العالية في سبيل ممارسة الكتابة أو الفن التشكيلي أو ابتداع الموسيقى، وعلى الرغم من التطرف في هذا المذهب الا أن مرتادوه كان لهم جزء من التقليل بالقلق الناجم عن المكانة.

لا أدري بعد ذلك هل تكون هذه مراجعة للكتاب، أم مقالة تختصر الكثير من الصفحات التي عشت دهشتها، لكن أؤكد على أن هذا الكتاب لابد أن يحدث شيء من التغيير في أي من يقرأه.