
لا أدري كيف وصلتني الرواية ومالذي دفعني لقرائتها الآن، أعرف أنها كانت تركن في رف مكتبتي منذ وقت طويل وكان لابأس في أن أتعرف على ج.د. سالنجر، لم أملك أي خلفية مسبقة عن الرواية وتصورت عبطاً أن جوها العام سيكون في – مزارع الشوفان- على الأقل لكني تفاجأت في المقدمة التي تقول أنها كانت سبب لإشعال فتيل الغاضبين في أمريكا وكانت محرضة رئيسية لجرائم قتل منها ماحدث لجون لينون مغني فرقة البيتلز وقد تم تصوير ذلك في فيلم Chapter 27 -أي الفصل الذي يلي الفصل الأخير من هذه الرواية-
ولا أخفي أني أكره الأدب الأمريكي عامة تأففت أثناء قرائتي لها من الجو النيويوركي لكن ما أن تعمقت في قراءة هذه الرواية حتى شعرت أن الكاتب أيضاً يشاركني هذا الكره للأدب الأمريكي و للنيويورك، يكره الكلمات السائلة مثل – رائع- يكره الزيف الذي يتسلل في كل الإجتماعات والمناسبات ، يكره اصدقائه ولو أنه يشفق عليهم أحيانا ، يكره الطبقة الإرستقراطية التي جاء منها كما أنه يكره حثالة القوم، ولم ينبع ذلك الكره إلا لشعوره بفقدان البراءة، انه يتحدث عن الإنحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه الناس، عن الغرائز الجنسية، عن السعي الحثيث نحو اللاشيء، عن الحالة من الضياع التي يعيشها- كل الكبار-
يكتب سالنجر على لسان هولدن كولفيلد كل الشتائم التي يستخدمها العوام، إنه يخاطب القارئ من خلال غضبه من البيئة التي جاء منها والشارع الذي يعرفه، بذلك اكتسبت هذه الرواية شعبيتها وانتشارها ، لم يكره هولدن كل شيء على الإطلاق بل كان هناك نوع من العاطفة التي تتدفق ما أن يتحدث عن أخته الصغيرة التي لم يزيفها العالم بعد ولقد تخلى عن حلمه وخاطر من حياته لأجلها.
انتهيت من هذه الرواية والكثير من الاستفاهامات التي طرأت علي حيالها وكانت وللأسف- بسبب عدم قدرة المترجم على نقل الرواية بصوتها الحقيقي- فلماذا يريد هولدن أن يكون حارساً في حقل الشوفان ولماذا تكون هذه الثلاث ايام التي أخذنا بها سالنجر في رحلة هولدن سبب لمقتل جون لينون ؟ وهل كان الأمريكيون – دعاة التبسيط- يحتاجون لهولدن كوفيلد ليلمسون الزيف الذي يعيشونه؟ كم ممن قرأ الرواية فهم هولدن فعلًا وهل أكون واحدة منهم ؟
بدأت بعدها في التنقيب عن سالنجر وعن هذه الرواية تحديداً قرأت التحليلات والمقالات التي كتبت عنه وتفاجأت وقتها أنها الرواية الوحيدة له وأن سالنجر مثل هولدن لم يستقر على ديانة واحدة ولقد عمقت تجربة الحرب من كتاباته لشخصية هولدن تحديداً ولم يفكر عندما انتهى من هذه الشخصية أن قدره وقدر هولدن واحد. ساعدني على ذلك فيلم rabel in the rye .
سالنجر يقول أن شخصية هولدن ماهي إلا صورة مشابهه له لكني أشعر بأنهما وجهان لعملة واحدة، لقد انتهى الأمر بسالنجر منعزلاً في الريف بعيداً عن زيف الناس مثلما كان يرغب هولدن، توقف عن النشر لكنه مازال يمارس الكتابة .
وهذا ذكرني كثيراً برأي كونديرا عن الكتاب عموماً إذ أنه يقول ” إنك اذ تنغمس مع الجماهير يذوب صوتك فلا تقدم إلا مايرغبون ولا تكون سوى نسخة مزيفة من نفسك” لقد كرس هذا الكاتب نفسه لفعل الكتابة وحفظ طول حياته روايته الوحيدة من أن تنقل لشاشات السينما إذ أنه يرى بأن كل مافي السينما ماهو إلا زيف يكرر نفسه.
كان أكثر ما أثار دهشتي هو سبب اختياره لاسم الرواية فلم يكن ذلك الأسم عبثياً فقد كانت تلك رغبة هولدن الحقيقة في أن يكون ” حارساً في حقل الشوقان” هذا الحقل الذي يضم كل أطفال العالم ولايكون فيه بالغ واحد سوى هولدن أو سالنجر بضرورة الحال ليحرسوا كل طفل من أن يسقط من على الجرف إذ أنه يقول في ذلك ” إن الإنسان الذي يسقط لا يسمح له أن يحس أو يسمع نفسه وهو يرتطم بالقاع.إنه يواصل السقوط وحسب”
فهذا السقوط هو سقوط البراءة ، إن الأطفال إذ يكبرون لينخرطوا في عالم الزيف هذا لا يكونون سوى مزيفين مثل اقرانهم وماكان يحاول سالنجر فعله ماهو إلا محاولة في الحفاظ على البراءة التي نفقدها جميعاً ما أن نكبر.

